هيكلة الأمن العراقي: هل تنهي "عسكرة المدن" أم أنها مجرد إعادة تموضع شكلي أمام نفوذ الميليشيات؟

📌 منوعات

هيكلة الأمن العراقي: هل تنهي "عسكرة المدن" أم أنها مجرد إعادة تموضع شكلي أمام نفوذ الميليشيات؟

📅 ٧ يونيو ٢٠٢٦ #الأمن العراقي #الجيش العراقي #محمد شياع السوداني #وزارة الداخلية العراقية

بخطوة وصفت بالجريئة، يسعى العراق لإخراج الجيش من المدن وتسليم الملف الأمني للشرطة الاتحادية؛ فهل ينجح السوداني في فرض سيادة الدولة القانونية، أم أن الفراغ الأمني سيفتح الباب لعودة خلايا داعش ونفوذ الفصائل المسلحة؟

إعلان
هيكلة الأمن العراقي: هل تنهي

خلفية الحدث: من إدارة الأزمات إلى استحقاق الدولة المدنية

منذ سقوط النظام السابق في عام 2003 وما أعقبه من انهيار أمني وصولاً إلى اجتياح تنظيم داعش للمدن العراقية في عام 2014، تحول الجيش العراقي إلى قوة شرطية كبرى تدير الشوارع والتقاطعات. على مدار عقدين، اعتاد المواطن العراقي على رؤية الدبابات والمدرعات في مراكز المدن، فيما عرف بظاهرة "عسكرة المدن". هذا الوضع كان ضرورة أمنية في ذروة الحرب ضد الإرهاب، لكنه تحول مع الوقت إلى عبء لوجستي ونفسي، حيث يعكس صورة دولة تعيش حالة طوارئ دائمة بدلاً من دولة ديمقراطية مدنية مستقرة.

الخطة التي أعلنت عنها وزارة الداخلية العراقية يوم الأحد، 19 مايو 2024 (بناءً على التوجهات الحكومية الأخيرة)، ليست مجرد تحريك لقطعات عسكرية، بل هي محاولة لإعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية. تاريخياً، فشلت محاولات سابقة في 2018 و2021 لنقل الملف الأمني بالكامل بسبب التوترات السياسية والخوف من عودة نشاط الخلايا النائمة. اليوم، ومع إقرار موازنة ثلاثية هي الأضخم في تاريخ العراق، تسعى حكومة محمد شياع السوداني إلى إثبات أن العراق تجاوز مرحلة "اللا-دولة" ودخل مرحلة المؤسسات، حيث يتولى الجيش حماية الحدود، بينما تتولى وزارة الداخلية الأمن الداخلي، وهو العرف المعمول به في الدول المستقرة.

أبعاد الخطة: تفكيك التداخل بين الجيش والشرطة والموازنات الضخمة

تتضمن الخطة الهيكلية الجديدة تسليم "الملف الأمني" في المحافظات تباعاً لوزارة الداخلية، ممثلة بالشرطة المحلية والاتحادية. بدأت هذه العملية فعلياً في محافظات مثل بابل وواسط والمثنى والديوانية، وتتجه الآن نحو محافظات أكثر تعقيداً مثل الأنبار وكركوك وأطراف بغداد. الأرقام تشير إلى أن العراق يمتلك واحدة من أضخم القوات الأمنية في المنطقة، حيث يتجاوز عدد المنتسبين في وزارتي الدفاع والداخلية وهيئة الحشد الشعبي المليون منتسب، مما يستهلك نحو 15% من الموازنة العامة (حوالي 18 مليار دولار للقطاع الأمني وحده في موازنة 2024).

البعد الفني للخطة يعتمد على سحب الفرقة الحادية عشرة والفرقة السابعة عشرة من داخل المدن وتمركزها في القواعد العسكرية والمناطق الحدودية. في المقابل، سيتم تعزيز قدرات الشرطة الاتحادية بمنظومات مراقبة حديثة وطائرات مسيرة "درونز" وتفعيل دور الاستخبارات الجنائية. الهدف هو تقليل عدد الحواجز الأمنية (السيطرات) التي تخنق حركة السير في بغداد والمحافظات، والتي وصل عددها في وقت سابق إلى أكثر من 300 سيطرة رئيسية في العاصمة وحدها، مما يعزز النشاط الاقتصادي وحرية الحركة للمواطنين والشركات الاستثمارية.

التداعيات المحتملة: بين سد الثغرات الأمنية ومخاطر الفراغ المفاجئ

إعلان

رغم التفاؤل الحكومي، تبرز تداعيات أمنية وسياسية مقلقة. الخبراء الأمنيون يحذرون من "فجوات الانتقال"، حيث يستغل تنظيم داعش (الذي لا يزال يمتلك خلايا نشطة في مناطق جبال حمرين وصحراء الأنبار) أي تراخٍ أمني أثناء عملية تبديل القطعات. الشرطة الاتحادية، رغم تسليحها الجيد، قد لا تمتلك ذات الكفاءة القتالية للجيش في التعامل مع هجمات مسلحة واسعة النطاق أو حرب العصابات في المناطق الوعرة. لذا، فإن الاعتماد على التكنولوجيا بدلاً من الكثافة البشرية يتطلب بنية تحتية رقمية لم تكتمل بعد في كثير من المناطق.

علاوة على ذلك، هناك تداعيات اجتماعية؛ فخروج الجيش من المدن يعني زيادة الاحتكاك بين الشرطة المحلية والجمهور. إذا لم يتم تدريب قوات الداخلية على معايير حقوق الإنسان والتعامل القانوني، فقد نشهد زيادة في الانتهاكات أو حالات الفساد عند الحواجز الأمنية المتبقية. من الناحية الاستراتيجية، تهدف الخطة إلى إرسال رسالة للمجتمع الدولي والمستثمرين بأن العراق بلد آمن بما يكفي لإدارة أمنه عبر "الشرطة" وليس عبر "فوهات المدافع"، وهو أمر حيوي لرفع تصنيف العراق الائتماني وجذب الشركات الأجنبية في قطاعي الطاقة والبنية التحتية.

الأطراف المعنية: صراع الصلاحيات بين الدفاع والداخلية ووضع الحشد الشعبي

تتداخل في هذه الخطة مصالح أطراف متعددة؛ أولها وزارة الداخلية بقيادة الوزير عبد الأمير الشمري، الذي يسعى لبناء إمبراطورية أمنية قوية وموحدة. ثانياً، وزارة الدفاع التي تجد نفسها أمام تحدي إعادة هيكلة قواتها لتصبح جيشاً احترافياً بعيداً عن العمل الشرطي. لكن الطرف الثالث والأكثر تعقيداً هو "هيئة الحشد الشعبي". فحتى مع خروج الجيش من المدن، لا يزال الحشد يمتلك مقرات وسيطرات في مناطق حيوية، والسؤال المطروح: هل ستخضع هذه الفصائل لسلطة وزارة الداخلية في إطار الخطة الجديدة؟

أيضاً، لا يمكن إغفال دور التحالف الدولي وبعثة حلف الناتو في العراق. هذه الأطراف تضغط باتجاه توحيد العقيدة الأمنية العراقية وتقليل نفوذ الجماعات المسلحة غير النظامية. هناك تنسيق عالٍ المستوى يجري الآن لتحديد مهام القوات في "المناطق المتنازع عليها" بين بغداد وأربيل، حيث ترفض قوات البيشمركة الكردية أي تغيير في التوازن الأمني قد يهمش دورها. إن نجاح السوداني في موازنة هذه القوى المتضاربة هو الاختبار الحقيقي لقدرة الدولة على فرض هيبتها، فالمسألة ليست مجرد توزيع مهام، بل هي صراع على من يملك اليد العليا في الشارع العراقي.

الموقف والتحليل: حقيقة السيادة في ظل "السلاح المنفلت" وتحديات التطبيق

في موقع "عالم محير 83"، نرى أن هذه الخطة، رغم أنها خطوة ضرورية ومنتظرة منذ سنوات، تظل ناقصة ما لم تقترن بإرادة سياسية حقيقية لتفكيك "الدولة الموازية". إن نقل الصلاحيات من جندي يرتدي الزي المرقط إلى شرطي يرتدي الزي الأزرق هو تغيير شكلي إذا ظل صانع القرار الأمني خلف الكواليس هو زعيم الفصيل أو الحزب. السيادة الحقيقية لا تتحقق بمجرد إخراج الدبابات من الشوارع، بل بحصر السلاح تماماً بيد المؤسسات الرسمية الخاضعة للمساءلة القانونية والقضائية.

التحليل الصريح يشير إلى أن الحكومة تحاول تسويق "استقرار هش". نعم، انخفضت العمليات الإرهابية بنسبة كبيرة، لكن "السلاح المنفلت" لا يزال يهدد البعثات الدبلوماسية والمستثمرين. إذا فشلت وزارة الداخلية في فرض سيطرتها على العناصر المسلحة داخل المدن، فإن الجيش سيضطر للعودة مجدداً عند أول أزمة، مما سيعيدنا إلى المربع الأول. الخلاصة: الخطة الهيكلية هي "مكياج سيادي" يحتاج إلى "جراحة سياسية" عميقة لاستئصال أورام التعددية الأمنية. بدون دمج كافة القوى المسلحة تحت قيادة القائد العام للقوات المسلحة فعلياً لا اسمياً، ستبقى خطط الانتشار مجرد إعادة تموضع للهروب من استحقاقات المواجهة مع قوى السلاح الخارج عن القانون.

🌍 ENGLISH VERSION

Iraqi Security Restructuring: Ending Urban Militarization or Mere Rebranding Amid Militia Influence?

In a bold move, Iraq seeks to withdraw the army from cities and hand over security to the Federal Police. Can PM Al-Sudani enforce the rule of law, or will security vacuums allow for the resurgence of ISIS and militia influence?

Background: From Crisis Management to Institutional Stability

Since the fall of the former regime in 2003 and the subsequent security collapse during the ISIS invasion in 2014, the Iraqi military has been the primary force maintaining order within urban centers. For two decades, Iraqi citizens have grown accustomed to seeing tanks and heavy weaponry at city intersections, a phenomenon known as 'urban militarization.' This was a necessity during the war against terrorism, but as Iraq enters a phase of relative stability, the presence of the army inside cities has become a symbol of a 'state of exception' rather than a functioning civil democracy. The recent announcement by the Ministry of Interior regarding a structural redeployment plan marks a pivotal shift aimed at returning the army to its original barracks and border defense roles.

Dimensions: Technical Details and Provincial Handover

The new plan involves transferring the 'Security File' from the Ministry of Defense to the Ministry of Interior in several key provinces. Historically, provinces like Babil, Wasit, and Dhi Qar were the first to undergo this transition. The current plan aims to expand this to more complex areas, including the outskirts of Baghdad and provinces that were previously frontlines against ISIS. According to official data, the Ministry of Interior is training specialized 'Tactical Units' and expanding the Federal Police's capabilities to handle counter-terrorism and riot control, tasks that were previously shared with the army. This restructuring also involves a massive budget reallocation, as the security sector accounts for nearly 15% of the 2024-2025 national budget, totaling billions of dollars directed towards surveillance technology and local intelligence networks.

Implications: Security Gaps vs. Civil Liberties

The withdrawal of the army from cities carries significant implications. On one hand, it reduces the friction between civilians and the military, potentially boosting tourism and internal trade by removing restrictive checkpoints. On the other hand, security experts warn of 'security vacuums.' ISIS sleeper cells often exploit transitional periods between different security commands. Furthermore, the Federal Police, while well-equipped, may lack the heavy firepower and specialized training of the elite Counter-Terrorism Service (CTS) or the Army's 9th Armored Division. The success of this transition depends heavily on the integration of advanced technology, such as the 'Baghdad Security Belt' camera system and drone surveillance, to compensate for the reduced physical military presence.

Stakeholders: The Struggle for Authority

This plan involves a complex web of stakeholders. Chief among them is Prime Minister Mohammed Shia' al-Sudani, who views this as a cornerstone of his reform agenda. However, the 'Elephant in the Room' remains the Popular Mobilization Forces (PMF). While the Army and Police are restructuring, the PMF holds significant territorial control in many provinces. There is a legitimate concern regarding whether the Federal Police can exercise authority over these ideologically driven groups. Additionally, international partners like NATO Mission Iraq (NMI) and the US-led coalition are closely monitoring the shift, as it directly impacts the 'End of Mission' negotiations for international troops in Iraq. The coordination between the Ministry of Interior and the Kurdish Peshmerga in 'disputed territories' also remains a sensitive flashpoint.

Position and Analysis: Sovereignty Requires More Than Moving Trucks

In our analysis at 'Confusing World 83,' we argue that moving soldiers from the city center to the outskirts is a cosmetic change if the underlying issue of 'Parallel Sovereignty' is not addressed. True security stability is not achieved by changing the color of the uniform from military camouflage to police blue; it is achieved by ensuring that no weapon is carried outside the framework of the state. The current plan is a step in the right direction for civil governance, but it faces the threat of being undermined by political factions that benefit from security fragmentation. For the plan to succeed, the government must move beyond logistical redeployment and tackle the 'Shadow State' infrastructure. Without disarming non-state actors, the 'Security File Transfer' might just be a handover of responsibility without a handover of actual power.

📊
هل تعتقد أن تسليم الملف الأمني للشرطة الاتحادية سيحد من نفوذ الفصائل المسلحة داخل المدن؟

المصدر: عالم محير٨٣abuomer83.com

إرسال تعليق

0 تعليقات