يريفان في مفترق طرق: هل تحول الديمقراطية الأرمينية إلى «استبداد مقنع» بصبغة غربية؟

📌 منوعات

يريفان في مفترق طرق: هل تحول الديمقراطية الأرمينية إلى «استبداد مقنع» بصبغة غربية؟

📅 ٦ يونيو ٢٠٢٦ #أرمينيا #ماريا زاخاروفا #روسيا #باشينيان #الديمقراطية

تصريحات نارية من ماريا زاخاروفا تفتح ملف الديمقراطية في أرمينيا وسط اتهامات بشن حملة قمع ممنهجة ضد المعارضة. فهل تضحي حكومة باشينيان بالتعددية السياسية من أجل التقارب مع الغرب؟

إعلان

شاهد الفيديو

خلفية الحدث: تآكل وعود «الثورة المخملية» والتحول الدراماتيكي

منذ وصول نيكول باشينيان إلى السلطة عبر «الثورة المخملية» في عام 2018، سُوِّقَت أرمينيا دولياً كواحة للديمقراطية في منطقة القوقاز المضطربة. ولكن، بعد هزيمة عام 2020 في حرب ناغورنو كاراباخ، والسقوط المدوي للإقليم في سبتمبر 2023، بدأت ملامح المشهد السياسي الداخلي تتغير بشكل جذري. واجه باشينيان ضغوطاً شعبية وسياسية هائلة، بلغت ذروتها في تظاهرات حاشدة قادتها المعارضة والكنيسة الأرمينية، مما دفع الحكومة إلى تبني نهج أكثر صرامة تجاه خصومها السياسيين.

روسيا، التي كانت لعقود الحليف الاستراتيجي الأول والوحيد ليريفان، بدأت تشعر بأن البساط يُسحب من تحت أقدامها. وترى موسكو أن باشينيان لا يكتفي بالابتعاد عن «منظمة معاهدة الأمن الجماعي»، بل يسعى بنشاط لتصفية النفوذ الروسي داخلياً عبر استهداف الأحزاب والشخصيات التي تدعو للحفاظ على العلاقات مع الكرملين. تصريح ماريا زاخاروفا الأخير، الذي وصف ما يحدث بـ «الجريمة ضد الديمقراطية»، ليس مجرد تعليق دبلوماسي، بل هو تحذير من أن موسكو بدأت تفقد صبرها تجاه «التطهير السياسي» الجاري في يريفان تحت غطاء الإصلاحات الديمقراطية.

تشير الإحصائيات إلى أن عام 2021 شهد انتخابات برلمانية مبكرة حصل فيها حزب «العقد المدني» الحاكم على 53.9% من الأصوات، لكن المعارضة طعنت في النتائج متهمة السلطة باستخدام «الموارد الإدارية». اليوم، ومع اقتراب الاستحقاقات القادمة، يبدو أن السلطة تسعى لتعديل قوانين الانتخابات أو استخدام القضاء لإقصاء الكتل الكبرى مثل تحالف «أرمينيا» (بقيادة روبرت كوتشاريان) وتحالف «لدي شرف» (بقيادة سيرج سركسيان)، وهو ما يضع البلاد أمام مأزق دستوري وأخلاقي عميق.

أبعاد الأزمة: بين الإقصاء القانوني والضغط الأمني

تتخذ محاولات إقصاء المعارضة في أرمينيا عدة أشكال تتجاوز مجرد التصريحات الإعلامية. ففي الأشهر الأخيرة، تم رصد توجه نحو تشديد الرقابة على تمويل الأحزاب، والتدقيق في الولاءات السياسية لموظفي الدولة. كما برزت ظاهرة «المحاكمات السياسية» لشخصيات معارضة بتهم تتعلق بـ «الخيانة» أو «الفساد» تعود لسنوات طويلة مضت، وهي تهم تصفها المعارضة بأنها «انتقائية» تهدف لشل حركة القادة الميدانيين قبل أي استحقاق انتخابي.

البعد الآخر للأزمة هو استخدام القوة المفرطة ضد الاحتجاجات السلمية. في ربيع وصيف عام 2024، شهدت يريفان تظاهرات «تافوش من أجل الوطن» التي قادها المطران باغرات غالستانيان، حيث وثقت منظمات حقوقية اعتقال مئات المحتجين واستخدام قنابل الصوت والغاز المسيل للدموع. إن ربط السلطة لكل تحرك معارض بـ «أجندات خارجية روسية» أصبح هو الذريعة الجاهزة لإسكات أي صوت يطالب بمراجعة سياسات باشينيان الخارجية أو الأمنية، مما خلق حالة من الاستقطاب الحاد داخل المجتمع الأرميني.

علاوة على ذلك، هناك تقارير تتحدث عن محاولات لرفع الحصانة البرلمانية عن نواب معارضين ومنعهم من دخول مبنى البرلمان في لحظات التصويت الحاسمة. هذا التضييق الممنهج يعكس مخاوف الحكومة من فقدان الأغلبية في ظل تراجع شعبيتها بعد فقدان أراضٍ تاريخية، وهو ما يدفعها للهروب إلى الأمام عبر تحصين نفسها بقوانين إقصائية تفرغ الديمقراطية من محتواها التعددي، وتجعل من الانتخابات مجرد عملية صورية لتثبيت الأمر الواقع.

تداعيات الإقصاء: فراغ أمني واهتزاز الشرعية الدولية

إعلان

إن إقصاء المعارضة من العملية الانتخابية لن يمر دون عواقب وخيمة على استقرار أرمينيا الهش أصلاً. أولى هذه التداعيات هي «فقدان الشرعية»؛ فإذا شعر قطاع واسع من الأرمينيين (خاصة المهجرين من قره باغ والقوى القومية) بأن صوتهم غير مسموع في البرلمان، فإن الشارع سيصبح هو البديل الوحيد للعمل السياسي، مما يفتح الباب أمام سيناريوهات الفوضى أو حتى الانقلابات العسكرية. التاريخ الأرميني الحديث مليء بلحظات العنف السياسي، ومنها حادثة اقتحام البرلمان في عام 1999.

على الصعيد الدبلوماسي، تضع هذه السياسات يريفان في موقف محرج أمام حلفائها الغربيين. فبينما يدعم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة باشينيان لموقفه المناهض لروسيا، فإن استمرار القمع الداخلي سيجعل من الصعب على بروكسل وواشنطن تبرير هذا الدعم باسم «القيم الديمقراطية». إذا استمرت التقارير الدولية في رصد تراجع الحريات، فقد تجد أرمينيا نفسها معزولة: فقدت حماية روسيا ولم تحصل على اعتراف كامل كدولة ديمقراطية حديثة من الغرب، مما يجعلها لقمة سائغة في أي صراع إقليمي قادم مع أذربيجان أو تركيا.

أما التداعيات الاقتصادية فهي لا تقل خطورة؛ فروسيا لا تزال الشريك التجاري الأكبر لأرمينيا، حيث تجاوز حجم التبادل التجاري بينهما 7 مليارات دولار في عام 2023. أي صدام سياسي ناتج عن اتهامات زاخاروفا قد يتبعه «تضييق اقتصادي» روسي، سواء عبر رفع أسعار الغاز أو تقييد صادرات المنتجات الأرمينية إلى الأسواق الروسية، وهو ما سيؤدي إلى انهيار اقتصادي سريع قد يطيح بالحكومة قبل وصولها إلى صناديق الاقتراع.

الأطراف المعنية: صراع الإرادات بين الكرملين والإليزيه والبيت الأبيض

في قلب هذه المعمعة، يقف نيكول باشينيان وحزبه «العقد المدني»، الذين يعتبرون أنفسهم «حماة الدولة» ضد النفوذ الاستعماري الروسي. بالنسبة لهم، المعارضة ليست سوى «طابور خامس» يعمل لصالح موسكو. في المقابل، يبرز تحالف المعارضة الذي يضم قوى متنوعة تشترك في كرهها لباشينيان، وتعتبر أن سياساته أدت إلى تفتيت الدولة وضياع الهوية القومية. هؤلاء يستمدون قوتهم من الدعم الكنسي والشعور بالمرارة القومية بعد خسارة آرتساخ.

على المسرح الدولي، تلعب روسيا دور «المراقب الغاضب» الذي يستخدم لغة الديمقراطية لمهاجمة خصومه، وهي مفارقة ساخرة تدركها موسكو جيداً ولكنها تستخدمها ببراعة لإحراج الغرب. ماريا زاخاروفا، بصفتها المتحدثة باسم الخارجية، لا تتحدث من فراغ، بل تعبر عن قلق القيادة الروسية من فقدان آخر معاقلها في جنوب القوقاز. في المقابل، تندفع فرنسا والولايات المتحدة لتقديم وعود أمنية وعسكرية ليريفان، مما يشجع الحكومة الحالية على المضي قدماً في سياساتها الإقصائية، ظناً منها أن الغطاء الغربي سيحميها من أي تبعات داخلية أو خارجية.

لا يمكن إغفال دور الجاليات الأرمينية في الخارج (الدياسبورا)، خاصة في فرنسا والولايات المتحدة، التي تعيش انقساماً حاداً هي الأخرى. فبينما تدعم الجالية في فرنسا توجه باشينيان نحو باريس، تظهر أصوات قوية في الولايات المتحدة تنتقد تفريطه في الثوابت الوطنية. هذا التشابك يجعل من أرمينيا ساحة صراع دولية بامتياز، حيث تتحول الديمقراطية من ممارسة داخلية إلى ورقة ضغط في لعبة «الشطرنج الكبرى» بين القوى العظمى.

الموقف والتحليل: ديمقراطية مشروطة أم استبداد ناعم؟

من وجهة نظر تحليلية دقيقة في «عالم محير٨٣»، نرى أن ما يحدث في أرمينيا ليس مجرد «تحول ديمقراطي» بل هو عملية «إعادة تموضع جيوسياسي» يتم التضحية فيها بالمعايير الديمقراطية الحقيقية. إن تصريحات زاخاروفا، رغم خلفيتها السياسية المنحازة، تضع الإصبع على جرح حقيقي: لا يمكن بناء ديمقراطية عبر إقصاء نصف المجتمع أو وصمه بالعمالة. الديمقراطية الحقيقية تتطلب شجاعة في مواجهة المعارضة في صناديق الاقتراع، وليس خلف أسوار القضاء أو عبر تعديلات قانونية تفصيلية.

رأينا الجريء والصريح هو أن باشينيان يمارس «استبداداً ناعماً» بصبغة ليبرالية. إنه يستخدم خطاباً غربياً جذاباً لتغطية إجراءات قمعية ضد خصومه. والخطورة تكمن في أن هذا النهج قد يؤدي إلى «انفجار داخلي» يعيد أرمينيا سنوات إلى الوراء. إن الاعتماد الكلي على الغرب في بلد محاصر جغرافياً ومعتمد اقتصادياً على روسيا هو مغامرة غير محسوبة العواقب. الاستقرار لا يأتي من إقصاء «أصدقاء روسيا»، بل من خلق إجماع وطني يحمي الدولة من أن تكون مجرد ساحة لتصفية الحسابات الدولية.

في الختام، الديمقراطية الأرمينية اليوم في خطر ليس فقط بسبب الضغوط الروسية، بل بسبب «قصر نظر» النخبة الحاكمة التي تعتقد أن الولاء للخارج (سواء كان شرقاً أو غرباً) يمكن أن يعوض فقدان الشرعية في الداخل. إذا استمرت يريفان في هذا المسار الإقصائي، فإنها ستجد نفسها غارقة في «جريمة ضد الديمقراطية» فعلاً، ولكنها جريمة ستدفع ثمنها الأجيال القادمة من استقلال وسيادة أرمينيا. الحقائق تشير إلى أن الطريق إلى بروكسل لا يجب أن يمر عبر قمع المعارضة في يريفان، وإلا فإن النتيجة ستكون «نظاماً مشوهاً» لا ينتمي لأي من العالمين.

🌍 ENGLISH VERSION

Yerevan at a Crossroads: Is Armenian Democracy Sliding into Western-Styled Autocracy?

Maria Zakharova's fiery statements open the file of democracy in Armenia amid accusations of a systematic crackdown on the opposition. Is Pashinyan's government sacrificing political pluralism for Western rapprochement?

Background: The Erosion of the Post-2018 Promise

Since the 'Velvet Revolution' in 2018, Nikol Pashinyan has marketed Armenia as a beacon of democracy in the Caucasus. However, the political reality after the 2020 Nagorno-Karabakh war and the total loss of the territory in 2023 has significantly altered the internal landscape. The Armenian government now finds itself under immense pressure from a diverse opposition that blames the current leadership for national humiliations. This pressure has led to a noticeable shift in how the ruling 'Civil Contract' party handles dissent, moving from dialogue to legal and administrative constraints.

Moscow, which historically viewed Armenia as its primary strategic ally in the region, is watching this shift with increasing hostility. The rhetoric from the Russian Foreign Ministry, specifically through Maria Zakharova, suggests that the Kremlin believes Pashinyan is purging pro-Russian elements under the guise of 'democratization.' This tension is not just about internal Armenian politics; it is a manifestation of the broader geopolitical struggle between Russia and the West for influence in the South Caucasus.

Dimensions of the Crisis: Exclusion and Judicial Pressure

The core of Zakharova's recent accusations lies in reports that the Armenian government is considering legal mechanisms to disqualify key opposition figures and parties from upcoming parliamentary elections. These maneuvers often involve 'vetting' processes or criminal charges related to past administrations, which the opposition claims are politically motivated. For instance, leaders of the 'Armenia' and 'I Have Honor' alliances have faced multiple court cases that keep them tied up in legal battles rather than active campaigning.

Furthermore, the administrative dimension includes the use of police force against protesters, most notably during the 'Tavush for the Homeland' movement led by Archbishop Bagrat Galstanyan in mid-2024. The detention of hundreds of protesters and the branding of opposition figures as 'foreign agents' or 'tools of Moscow' have created a polarized atmosphere. Critics argue that by excluding these voices, the government is creating a 'sterile' democratic environment where only pro-Western or moderate voices are allowed to resonate.

Implications: Regional Instability and Security Vacuums

The exclusion of opposition parties could lead to a total breakdown of internal political legitimacy in Armenia. If a significant portion of the population feels disenfranchised, the risk of civil unrest increases. This internal instability directly impacts Armenia's security posture. Currently, Yerevan has frozen its participation in the Collective Security Treaty Organization (CSTO) and is seeking security guarantees from the EU and the US. However, a polarized domestic front makes it harder to implement such drastic strategic shifts.

Moreover, the diplomatic rift with Russia is reaching a point of no return. Zakharova's label of 'crime against democracy' is a heavy diplomatic blow, signaling that Moscow may no longer recognize the legitimacy of future Armenian elections if its allies are barred. This could lead to economic repercussions, as Armenia remains heavily dependent on Russian gas and trade, which reached over $7 billion in 2023.

The Concerned Parties: A Tangled Web of Interests

On one side stands Nikol Pashinyan and his supporters, who argue that the opposition represents the 'old guard' and 'Russian puppets' trying to reverse the democratic gains of 2018. They see their actions as a necessary 'defensive democracy' to protect the state from external interference. On the other side, the opposition alliances, supported by segments of the military and the Church, advocate for a restoration of ties with Russia and a more nationalistic approach to security.

Then there are the external actors. The European Union and the United States have largely remained silent or cautiously supportive of Pashinyan, viewing him as a partner in reducing Russian influence. Meanwhile, Russia is utilizing its media apparatus and diplomatic channels to highlight the contradictions in Yerevan’s democratic claims. The irony is not lost on observers: Moscow, often criticized for its own democratic record, is now positioning itself as the defender of democratic pluralism in Armenia.

Analysis: The High Price of Geopolitical Realignment

The current situation in Armenia is a classic example of how geopolitical interests can distort domestic democratic processes. While Pashinyan claims to be protecting democracy, the systematic exclusion of opposition forces is a hallmark of the very authoritarianism he claims to fight. Real democracy requires the inclusion of even the most uncomfortable voices, especially those that represent a historical or strategic viewpoint different from the ruling elite.

My blunt assessment is that Armenia is currently a 'captured democracy.' The government is using the 'West vs. East' narrative as a shield to suppress internal critics. If the international community continues to provide a blank check to Yerevan just because it is moving away from Moscow, they are complicit in the erosion of the very values they claim to promote. Stability in the Caucasus cannot be built on the exclusion of political rivals; it requires a genuine national consensus that Pashinyan currently seems unwilling—or unable—to build.

📊
هل تعتقد أن إقصاء المعارضة في أرمينيا يخدم استقرار الدولة أم يقوض ديمقراطيتها؟

المصدر: عالم محير٨٣abuomer83.com

إرسال تعليق

0 تعليقات