حصار سفياتوغورسك: هل تسقط قلاع الشمال الأوكراني في فخ 'الكمّاشة' الروسية؟
بينما ينشغل العالم بجبهات خاركيف، تحكم القوات الروسية قبضتها على شمال سفياتوغورسك في دونيتسك، محاصرةً مئات الجنود الأوكرانيين في غابات استراتيجية، مما ينذر بانهيار خط الدفاع الأول عن مدينتي سلافيانسك وكراماتورسك.
خلفية الحدث: جغرافيا الموت في غابات دونيتسك
تعد مدينة سفياتوغورسك، الواقعة في أقصى شمال جمهورية دونيتسك الشعبية (وفق التسمية الروسية) أو مقاطعة دونيتسك الأوكرانية، نقطة ارتكاز استراتيجية لا يمكن التغاضي عنها. المدينة التي تشتهر بـ 'دير سفياتوغورسك لافرا' التاريخي، تمثل بوابة عبور حاسمة فوق نهر سيفيرسكي دونيتس. ومنذ استعادة القوات الأوكرانية السيطرة عليها في هجوم خاركيف المضاد في سبتمبر 2022، ظلت المدينة ومحيطها منطقة استنزاف دائم. اليوم، ومع إعلان الخبير العسكري أندريه ماروتشكو عن تطويق تجمع للقوات الأوكرانية شمال المدينة، نجد أنفسنا أمام فصل جديد من فصول الصراع، حيث تعود القوات الروسية لتطبيق استراتيجية 'الكمّاشة' التي أثبتت فعاليتها في باخموت وأفدييفكا.
التطورات الأخيرة تشير إلى أن القوات الروسية، وتحديداً مجموعات القتال التابعة لـ 'المركز'، قد غيرت من تكتيكاتها. فبدلاً من الهجوم الجبهوي المباشر على المدينة التي تتمتع بتضاريس وعرة، اعتمدت القوات الروسية على الالتفاف عبر المناطق الحرجية الكثيفة التي تمتد شمالاً وغرباً. هذه الغابات، التي كانت لسنوات ملاذاً لوحدات الاستطلاع الأوكرانية، أصبحت الآن مسرحاً لعمليات تمشيط روسية دقيقة تعتمد على الطائرات المسيرة الحرارية وقوات النخبة، مما أدى إلى عزل جيوب دفاعية أوكرانية بالكامل عن خطوط الإمداد الرئيسية القادمة من سلافيانسك.
أبعاد الحدث: تكتيكات التمشيط وحرب الاستنزاف
ما يحدث شمال سفياتوغورسك ليس مجرد اشتباك عابر، بل هو عملية عسكرية منسقة تهدف إلى شل قدرة القوات الأوكرانية على المناورة. وبحسب التقارير الميدانية، فإن القوات الروسية بدأت في استخدام قنابل الجاذبية الموجهة (FAB) بكثافة لتدمير التحصينات الخرسانية الموجودة في عمق الغابات قبل تقدم مشاة البحرية وقوات المظليين. هذا 'التمشيط' الذي ذكره ماروتشكو يعني عملياً تحويل المنطقة الحرجية إلى منطقة قتل، حيث يتم رصد أي تحرك للأفراد أو الآليات عبر الأقمار الصناعية والدرونات، مما يجعل فك الحصار من الداخل أمراً شبه مستحيل في ظل التفوق الجوي الروسي الحالي.
البعد الآخر يتمثل في قطع طريق الإمداد 'إم-03' (M-03) بشكل غير مباشر. هذا الطريق يمثل الشريان التاجي للدفاعات الأوكرانية في شمال دونيتسك. الحصار الروسي الحالي في سفياتوغورسك يضع الوحدات الأوكرانية في موقف 'الخيار المستحيل': فإما الانسحاب عبر ممرات ضيقة تقع تحت سيطرة النيران الروسية، وهو ما قد يؤدي إلى خسائر بشرية هائلة، أو البقاء والقتال حتى النفاد الكامل للذخيرة والمؤن، وهو السيناريو الذي تكرر في ماريوبول وأفدييفكا، مما يستنزف النخبة العسكرية الأوكرانية التي لا يمكن تعويضها بسهولة.
التداعيات: زلزال يهدد حصون سلافيانسك وكراماتورسك
سقوط سفياتوغورسك أو تحييد القوات الأوكرانية المتمركزة في شمالها سيعني بالضرورة انهيار الجناح الشمالي لمنظومة الدفاع عن 'المثلث الذهبي' في دونباس (سلافيانسك - كراماتورسك - كونستانتينوفكا). هذه المدن تعتبر معاقل رمزية وعسكرية لأوكرانيا، وسقوطها يعني عملياً السيطرة الروسية الكاملة على إقليم دونباس. الحصار الحالي يهدف إلى خلق حالة من الذعر العملياتي لدى القيادة الأوكرانية، حيث تضطر لنقل احتياطاتها الاستراتيجية من جبهة خاركيف أو زابوروجيا لإنقاذ القوات المحاصرة، مما يخلق ثغرات في أماكن أخرى يمكن للروس استغلالها.
على الصعيد السياسي، فإن نجاح هذا الحصار يعزز موقف موسكو قبل أي مفاوضات محتملة، ويثبت أن الزخم العسكري لا يزال في صالحها رغم المساعدات الغربية بمليارات الدولارات. بالنسبة لكييف، فإن خسارة هذه المنطقة تعني فقدان السيطرة على مرتفعات حاكمة تطل على مساحات شاسعة، مما سيجعل سلافيانسك مكشوفة تماماً أمام المدفعية الروسية الثقيلة التي لم تتوقف عن دك المواقع الأوكرانية منذ بدء 'العملية العسكرية الخاصة' في 24 فبراير 2022.
الأطراف المعنية: صراع الإرادات بين موسكو وكييف
في الجانب الروسي، يقود العمليات في هذا المحور قادة عسكريون يعتمدون على 'مبدأ غيراسيموف' في الدمج بين القوة النارية الكثيفة والمناورات الالتفافية. القوات المشاركة تضم وحدات من المنطقة العسكرية المركزية، مدعومة بمتطوعين محليين لديهم معرفة دقيقة بتضاريس المنطقة. الهدف الروسي واضح: تأمين الضفة الشمالية لنهر سيفيرسكي دونيتس بالكامل لضمان عدم قيام أوكرانيا بأي هجمات مضادة تهدد لوغانسك المجاورة.
أما في الجانب الأوكراني، فإن القائد العام للقوات المسلحة، أولكسندر سيرسكي، يواجه معضلة نقص القوة البشرية. الوحدات المدافعة عن سفياتوغورسك، وأبرزها اللواء المجوقل 81، تعاني من الإجهاد القتالي بعد عامين من الحرب المستمرة. نقص الذخيرة، وخاصة قذائف المدفعية عيار 155 ملم، يحد من قدرة هذه الوحدات على الرد على القصف الروسي. كما أن الضغوط السياسية من زيلينسكي لعدم التراجع عن أي شبر من الأرض تضع القادة الميدانيين في مواقف تكتيكية انتحارية أحياناً، حيث يُطلب منهم 'الصمود بأي ثمن' حتى في ظل غياب الغطاء الجوي.
الموقف والتحليل: حقيقة 'النصر التكتيكي' وتآكل الدفاعات
بصفتنا محرري حقائق في 'عالم محير٨٣'، يجب أن نتحدث بصراحة جريئة: الدفاع الأوكراني في الشمال يمر بمرحلة 'التعب الهيكلي'. الحصار في سفياتوغورسك ليس مجرد خبر عسكري، بل هو مؤشر على نجاح استراتيجية 'الاستنزاف البطيء' التي تنتهجها روسيا منذ مطلع عام 2024. روسيا لا تهاجم لتسيطر على الأرض فحسب، بل لتدمير ما تبقى من ألوية المشاة الأوكرانية المتمرسة. التصريحات الروسية عن 'تمشيط الغابات' تعني أن الجيش الروسي لم يعد يستعجل النتائج، بل يفضل تطهير المناطق ببطء لتقليل خسائره البشرية، مستفيداً من تفوقه النوعي في الطائرات الانتحارية بدون طيار (FPV).
رأينا الصريح هو أن كييف قد وقعت في فخ 'الاستنزاف الجغرافي'. الإصرار على التمسك بمواقع محاصرة تكتيكياً مثل شمال سفياتوغورسك قد يرضي الغرور السياسي، لكنه كارثة عسكرية. إذا لم تنسحب القوات الأوكرانية فوراً إلى خطوط دفاعية أكثر تحصيناً خلف النهر، فإننا سنشهد عملية 'تصفية' واسعة النطاق لهذه القوات. الحقيقة المرة هي أن التفوق الناري الروسي، المدعوم بصناعة عسكرية تعمل بطاقة الحرب الكاملة، بدأ يتفوق على المساعدات الغربية المتقطعة. الساعات القادمة ستكون حاسمة؛ فإما اختراق أوكراني انتحاري لفك الحصار، أو إضافة سفياتوغورسك إلى قائمة المدن التي سقطت تحت وطأة 'المطرقة والسندان' الروسية.
The Svyatohirsk Encirclement: Are Ukraine's Northern Fortresses Falling into the Russian 'Pincer' Trap?
As global attention shifts to Kharkiv, Russian forces are tightening their grip north of Svyatohirsk in Donetsk, encircling hundreds of Ukrainian troops in strategic forests. This maneuver threatens the collapse of the primary defense line protecting the critical hubs of Sloviansk and Kramatorsk.
Context of the Escalation
The military situation in eastern Ukraine has reached a critical juncture. According to military expert Andrey Marochko, Russian forces have successfully initiated a tactical encirclement of Ukrainian units north of Svyatohirsk. This town, famous for its historic Lavra monastery, serves as a gateway to the broader Donbas region. Since the fall of Avdiivka in February 2024, the Russian 'Center' grouping has shifted its weight toward the Lyman-Kramatorsk axis, aiming to bypass heavy urban fortifications by utilizing forested terrain for flanking maneuvers.
Geographically, Svyatohirsk sits on the northern bank of the Seversky Donets River. Control over this area allows for fire control over the main supply routes connecting Kharkiv to the Donetsk administrative borders. The current Russian advancement involves a meticulous 'combing' of the surrounding forests to eliminate Ukrainian reconnaissance units and artillery spotting positions, which have previously hindered Russian river crossings.
Tactical Dimensions and Logistics
The encirclement is not merely a symbolic victory; it is a calculated move to strain Ukrainian logistics. By cutting off the northern access points, Russian forces are forcing the Ukrainian General Staff to make a difficult choice: withdraw troops from the secondary lines in Sloviansk to reinforce the pocket, or allow the trapped units to be neutralized. Reports indicate that Russia is utilizing localized drone superiority and FAB-500 glide bombs to shatter concrete fortifications before ground infantry moves in.
On the Ukrainian side, the 81st Airmobile Brigade and elements of the Territorial Defense have been tasked with holding this line. However, the shortage of artillery shells—despite the arrival of Western aid packages—remains a decisive factor. The dense forest canopy north of the city provides some cover for the defenders, but as Russian thermal imaging drones become more prevalent, this natural advantage is rapidly diminishing.
Strategic Implications
The fall of Svyatohirsk would jeopardize the entire Ukrainian northern flank in Donetsk. If Russian forces consolidate their position here, the city of Sloviansk—the psychological heart of the 2014 conflict—becomes the next immediate target. This would mean that the 'fortress cities' of Donbas, which have held for over two years, are being systematically outflanked rather than stormed head-on, a shift in Russian military doctrine observed throughout the 2024 summer campaign.
The Stance and Analysis
In our analysis at 'Confusing World 83', we see this encirclement as a manifestation of the 'Attrition Strategy'. Russia is no longer seeking rapid, deep breakthroughs that risk overextending their lines. Instead, they are using their numerical superiority in manpower and firepower to create 'mini-cauldrons'. Ukraine's strategy of 'flexible defense' is being tested to its absolute limit. Without a significant infusion of air defense and long-range precision strikes to disrupt Russian rear logistics, these tactical encirclements will likely continue to chip away at the Ukrainian frontline until a structural collapse becomes inevitable.
المصدر: عالم محير٨٣ — abuomer83.com
0 تعليقات