رهان بوتين في بطرسبورغ: هل تنجح روسيا في هندسة نظام عالمي جديد بعيداً عن هيمنة الدولار؟

📌 منوعات

رهان بوتين في بطرسبورغ: هل تنجح روسيا في هندسة نظام عالمي جديد بعيداً عن هيمنة الدولار؟

📅 ٨ يونيو ٢٠٢٦ #بوتين #منتدى_بطرسبورغ #الاقتصاد_الروسي #بريكس

بينما تسعى القوى الغربية لعزل موسكو، يخرج بوتين من منتدى بطرسبورغ معلناً عن تحول هيكلي جذري، حيث لم تعد روسيا تدافع عن وجودها فحسب، بل تقود قاطرة 'العالم الجديد'. مقال يستعرض الحقائق والأرقام وراء طموحات السيادة الروسية.

إعلان
رهان بوتين في بطرسبورغ: هل تنجح روسيا في هندسة نظام عالمي جديد بعيداً عن هيمنة الدولار؟

خلفية الحدث: منتدى بطرسبورغ في نسخته الـ27 وتحدي العزلة

انطلق منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي (SPIEF) في نسخته السابعة والعشرين لعام 2024، في توقيت جيوسياسي حرج للغاية. لم يعد المنتدى مجرد منصة لعقد الصفقات التجارية كما كان منذ تأسيسه عام 1997، بل تحول إلى بيان سياسي واقتصادي يعكس ملامح "روسيا الجديدة". رغم مواجهة موسكو لأكثر من 16 ألف عقوبة دولية، إلا أن المنتدى استقطب وفوداً من أكثر من 130 دولة، مما يعكس فشل سياسة العزل الشامل التي انتهجها الغرب. بوتين، في كلمته، لم يتحدث بلسان المحاصر، بل بلسان القائد الذي يرى في الأزمة فرصة لإعادة صياغة الهيكل الاقتصادي العالمي.

الأرقام التي ساقها الرئيس الروسي تشير إلى أن الاقتصاد الروسي نما بنسبة 3.6% في عام 2023، وهو معدل يتجاوز متوسط النمو العالمي ومعدلات نمو معظم دول مجموعة السبع. هذا النمو جاء مدفوعاً بزيادة هائلة في الإنفاق العسكري والصناعي، حيث بلغت استثمارات رأس المال في روسيا زيادة بنسبة 14.5% في الربع الأول من عام 2024 وحده. الخلفية الحقيقية لهذا الحدث هي إعلان روسيا رسمياً فك الارتباط الاقتصادي مع المنظومة الغربية والتوجه نحو بناء كتلة اقتصادية مستقلة تعتمد على العملات الوطنية والتقنيات البديلة.

أبعاد الحدث: التحول نحو اقتصاد العرض والسيادة التكنولوجية

تتمثل الأبعاد الجوهرية لخطاب بوتين في طرح مفهوم "اقتصاد العرض". هذا التحول يعني أن الدولة الروسية لم تعد تكتفي بإدارة الطلب أو الاعتماد على ريع النفط والغاز، بل تسعى لتوسيع الطاقة الإنتاجية المحلية في كافة المجالات. أكد بوتين أن حصة الواردات في الناتج المحلي الإجمالي الروسي يجب أن تنخفض إلى 17% بحلول عام 2030، بعد أن كانت تتجاوز 25% في العقد الماضي. هذا البعد الهيكلي يهدف إلى خلق دورة اقتصادية مغلقة جزئياً تضمن استمرارية الدولة في ظل ظروف الحرب أو الحصار الاقتصادي الطويل الأمد.

البعد الآخر هو "السيادة التكنولوجية". روسيا اليوم تستثمر مليارات الروبلات في تطوير أشباه الموصلات، والبرمجيات المحلية، وصناعة الطائرات المدنية (مثل طائرات MS-21 وSJ-100) لتعويض غياب بوينغ وإيرباص. هذا التحول الهيكلي لا يقتصر على الصناعة، بل يمتد إلى النظام المالي؛ حيث أشار بوتين إلى أن نظام الرسائل المالية الروسي (SPFS) أصبح بديلاً حقيقياً لنظام سويفت (SWIFT) العالمي، حيث تستخدمه الآن مئات البنوك الأجنبية لتسهيل التجارة البينية بعيداً عن الرقابة الأمريكية.

التداعيات: أفول القطبية الواحدة وصعود العملات الوطنية

إعلان

تداعيات هذا التحول بدأت تظهر بوضوح في هيكل التجارة العالمية. الأرقام الرسمية تؤكد أن أكثر من 90% من التبادلات التجارية بين روسيا والصين تتم الآن بالروبل واليوان. كما أن حصة الدولار واليورو في المدفوعات الروسية للصادرات انخفضت من 80% قبل الحرب إلى أقل من 20% حالياً. هذا الاتجاه نحو "إلغاء الدولرة" (De-dollarization) لم يعد مجرد طموح روسي، بل أصبح توجهاً تشترك فيه دول بريكس، التي أصبحت تمثل الآن 36% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي استناداً إلى تعادل القوة الشرائية، متجاوزة مجموعة السبع التي تراجعت حصتها إلى 30%.

من الناحية الجيوسياسية، أدى هذا التحول إلى تسريع العمل في ممر النقل الدولي "شمال - جنوب"، الذي يربط سان بطرسبورغ بموانئ الهند عبر إيران. هذا الممر يقلص المسافة بنسبة 40% والتكلفة بنسبة 30% مقارنة بقناة السويس، مما يمنح روسيا حصانة لوجستية ضد أي حصار بحري مستقبلي. التداعيات هنا تتجاوز الاقتصاد لتصل إلى إعادة رسم خارطة التحالفات الاستراتيجية، حيث أصبحت موسكو تعتمد على "الأغلبية العالمية" لتأمين احتياجاتها من السلع والخدمات التكنولوجية.

الأطراف المعنية: التحالف مع الشرق والطلاق مع الغرب

تتوزع الأطراف المعنية في هذا المشهد بين حلفاء جدد وخصوم تقليديين. الصين تأتي في المقدمة كشريك استراتيجي أول، حيث وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى رقم قياسي بلغ 240 مليار دولار في عام 2023. الهند تبرز أيضاً كطرف رئيسي، خاصة بعد أن أصبحت المشتري الأكبر للنفط الروسي، مما ساعد موسكو على الحفاظ على تدفقات العملة الصعبة. كما تلعب دول الشرق الأوسط، لا سيما الإمارات والسعودية، دوراً محورياً كـ "جسور مالية" ولوجستية، حيث شهد المنتدى توقيع اتفاقيات استثمارية كبرى مع صناديق سيادية من هذه الدول.

في المقابل، يجد الطرف الغربي نفسه في وضع معقد؛ فبينما تحاول واشنطن وبروكسل تشديد العقوبات، تستمر الشركات الغربية الكبرى في خسارة سوق استهلاكي ضخم يضم 145 مليون نسمة. بوتين أشار صراحة إلى أن الشركات التي غادرت روسيا قد حلت محلها شركات وطنية أو شركات من "دول صديقة"، مما جعل العودة للوضع السابق أمراً شبه مستحيل. الأطراف المعنية الآن لم تعد تقتصر على الدول، بل تشمل التكتلات مثل "بريكس+" التي تتوسع لتشمل قوى اقتصادية صاعدة ستغير موازين القوى في العقد المقبل.

الموقف والتحليل: مقامرة السيادة.. هل ينجح بوتين في اختبار الزمن؟

كفريق تقصي حقائق في "عالم محير٨٣"، نرى أن خطاب بوتين في منتدى بطرسبورغ يحمل في طياته "مقامرة كبرى". الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن روسيا أظهرت مرونة مذهلة؛ فمعدلات البطالة عند أدنى مستوى تاريخي لها (2.6%)، والنمو الصناعي مستمر. ولكن، يجب فصل "النمو العسكري" عن "التنمية المستدامة". الاقتصاد الروسي حالياً يعاني من ضغوط تضخمية (تجاوزت 8%)، ونقص حاد في الأيدي العاملة بسبب التعبئة العسكرية وهجرة العقول، وهو ما لم يركز عليه بوتين في خطابه المتفائل.

السيادة الاقتصادية التي ينشدها بوتين هي سلاح ذو حدين. فبينما تمنح موسكو استقلالية قرارها السياسي، إلا أنها قد تحكم عليها بنوع من "العزلة التكنولوجية النوعية" على المدى الطويل. الاعتماد الكامل على الصين في مجال الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي قد يعني ببساطة استبدال تبعية بتبعية أخرى. التحليل الواقعي يشير إلى أن روسيا نجحت في "البقاء" بل و"النمو" تحت الضغط، لكن بناء "عالم جديد" يتطلب ما هو أكثر من مجرد تحويل مسارات النفط؛ يتطلب ابتكاراً لا يمكن أن ينمو إلا في بيئة منفتحة وتنافسية. روسيا اليوم في مرحلة "اقتصاد الحرب المستقر"، والاختبار الحقيقي سيكون في قدرتها على الحفاظ على هذا الزخم عندما تصمت المدافع.

🌍 ENGLISH VERSION

Putin's SPIEF Gamble: Can Russia Engineer a New Global Order Away from Dollar Dominance?

As Western powers seek to isolate Moscow, Putin emerges from the St. Petersburg Forum declaring a radical structural shift. Russia is no longer just defending its existence but leading the 'New World' locomotive. This article explores the facts and figures behind Russian sovereignty ambitions.

Background: The 27th Edition of SPIEF

The St. Petersburg International Economic Forum (SPIEF), often dubbed the 'Russian Davos,' has transformed from a platform for attracting Western investment into a fortress of 'sovereign economics.' In its 27th session, the forum saw participation from over 130 countries, highlighting Moscow's resilience despite being hit by over 16,000 individual and corporate sanctions. President Putin's address focused on the 3.6% GDP growth Russia achieved in 2023, surpassing many G7 nations.

Dimensions: The Shift to Supply-Side Economics

The core of Putin’s strategy is a transition to 'Supply-Side Economics.' This involves massive state investment in infrastructure, technology, and human capital. Russia is aiming to reduce its dependence on imports—which fell to 19% of GDP—and boost domestic production. The President emphasized that the global economy is no longer unipolar, as the BRICS nations now account for approximately 36% of global GDP, officially overtaking the G7's 30% share.

Consequences: De-dollarization and New Trade Routes

The most significant consequence is the aggressive move away from the US Dollar and Euro. According to recent data, nearly 90% of Russia’s trade with China is now settled in Rubles or Yuan. Furthermore, the expansion of the International North-South Transport Corridor (INSTC) aims to link the Baltic Sea to the Indian Ocean, bypassing traditional European routes. This logistical shift is backed by a 15% increase in capital investments within Russia during the first quarter of 2024.

Involved Parties: The Rise of the Global Majority

The forum highlighted the pivot to the 'Global Majority'—countries in Asia, Africa, and the Middle East. China remains the primary strategic partner, with bilateral trade exceeding $240 billion in 2023. India has also emerged as a massive buyer of Russian energy, while the UAE and Saudi Arabia are increasingly involved in joint investment funds. Conversely, 'unfriendly' Western nations found themselves marginalized, as Moscow prioritizes technological partnerships with the East.

Analysis: The Sovereignty Risk and the Road Ahead

Our analysis suggests that while Russia has shown remarkable adaptability, the path to full economic sovereignty is fraught with risks. The reliance on Chinese technology to replace Western chips and software creates a new form of dependency. However, the numbers don't lie: Russia’s unemployment rate is at a record low of 2.6%, and its transition to a war-time economic footing has stimulated domestic industrial growth. The 'New World' Putin speaks of is not a dream; it is a developing reality, though its sustainability depends on Russia's ability to innovate without Western input.

📊
هل تعتقد أن روسيا قادرة على تحقيق سيادة اقتصادية كاملة بعيداً عن التكنولوجيا الغربية؟

المصدر: عالم محير٨٣abuomer83.com

إرسال تعليق

0 تعليقات