الحوار المُهيكل في ليبيا: هل هو طوق نجاة حقيقي أم مجرد 'إبرة تخدير' لإطالة أمد الجمود السياسي؟
بمشاركة 120 شخصية، اختتم الحوار المهيكل الليبي أعماله تاركاً الشارع أمام تساؤلات وجودية: هل تملك هذه التوصيات قوة النفاذ، أم أنها مجرد حبر على ورق في بلد أدمن صراع الشرعيات؟
خلفية الحدث: مسار شائك وتراكمات سنوات من الانسداد
انطلق الحوار المهيكل الليبي في سياق زمني يتسم بالجمود السياسي التام، بعد فشل إجراء الانتخابات التي كانت مقررة في 24 ديسمبر 2021. هذا الحوار لم يكن وليد الصدفة، بل جاء كنتاج لشهور من الاجتماعات المكثفة التي رعاها مركز الحوار الإنساني (HD) وبمباركة ضمنية من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL). شارك في هذا المسار أكثر من 120 شخصية ليبية، تم اختيارهم بعناية ليمثلوا فسيفساء المجتمع الليبي، بما في ذلك ممثلو الأقاليم الثلاثة (برقة، طرابلس، فزان)، وتيارات سياسية متباينة، وقادة اجتماعيين وقبليين، وخبراء اقتصاديين.
الهدف الجوهري لهذا الحوار كان كسر احتكار النخب السياسية المتصدرة للمشهد (مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة) لقرار صياغة المستقبل. فمنذ اتفاق الصخيرات عام 2015، مروراً بملتقى الحوار السياسي في تونس وجنيف عام 2021، ظلت النتائج تصطدم بعقبة "التنفيذ" على الأرض. الحوار المهيكل الحالي حاول تقديم مقاربة مختلفة تعتمد على توسيع قاعدة المشاركة لتشمل قوى فاعلة على الأرض، وليس فقط السياسيين القابعين في المكاتب، وذلك في محاولة لخلق "شرعية شعبية" تسند أي توافق قادم وتضغط على المؤسسات الرسمية للقبول بالنتائج.
تاريخياً، شهدت ليبيا منذ عام 2011 أكثر من 15 مبادرة حوار كبرى، لكن الحوار المهيكل يتميز بتركيزه على التفاصيل الفنية والاجتماعية التي غالباً ما يتم تهميشها لصالح الصفقات السياسية الكبرى. ومع اختتام أعماله مؤخراً، انتقل الملف من مرحلة "صناعة التوصيات" إلى مرحلة "اختبار الإرادة"، حيث تنتظر هذه المخرجات موافقة القوى المسلحة والمؤسسات التشريعية التي قد ترى في هذه التوصيات تهديداً لمصالحها المباشرة وبقائها في السلطة.
أبعاد الحوار: سياسة واقتصاد وأمن في سلة واحدة
لا يمكن قراءة الحوار المهيكل بمعزل عن الأبعاد الثلاثة التي تشكل الأزمة الليبية: البعد السياسي، البعد الاقتصادي، والبعد الأمني. في الجانب السياسي، ركزت النقاشات على كيفية الوصول إلى قاعدة دستورية توافقية، وهي العقدة التي حالت دون إجراء الانتخابات لسنوات. أما في الجانب الاقتصادي، فقد كان التركيز منصباً على آلية توزيع الموارد النفطية بشكل عادل، وتوحيد المصرف المركزي الليبي بشكل كامل لضمان استقرار العملة الوطنية التي شهدت تراجعاً حاداً، حيث وصل سعر الصرف في السوق الموازي إلى مستويات قياسية أثقلت كاهل المواطن (تجاوز 7 دينار للدولار في فترات معينة).
البعد الأمني كان حاضراً بقوة عبر مناقشة ضرورة إخراج المرتزقة والقوات الأجنبية، وتوحيد المؤسسة العسكرية تحت قيادة واحدة. ورغم أن الحوار المهيكل ليس منصة عسكرية (مثل لجنة 5+5)، إلا أن وجود قادة محليين ذوي تأثير على المجموعات المسلحة أعطى للنقاشات بعداً واقعياً. المشاركون ناقشوا أيضاً ملف العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، معتبرين أن أي حل سياسي لا يضمن جبر الضرر وعودة النازحين (الذين يقدر عددهم بعشرات الآلاف داخل وخارج ليبيا) سيكون حلاً هشاً وقابلاً للانهيار عند أول اختبار حقيقي.
علاوة على ذلك، برز البعد الدولي كعامل ضغط خفي؛ فالدول المتداخلة في الشأن الليبي (تركيا، مصر، روسيا، الولايات المتحدة، فرنسا، وإيطاليا) تترقب مخرجات هذا الحوار لتقييم مدى مواءمتها مع مصالحها الجيوسياسية. الحوار سعى إلى تقديم رؤية "ليبية-ليبية" خالصة لتقليل هامش المناورة أمام التدخلات الخارجية التي غالباً ما تستغل الانقسام الداخلي لتمرير أجنداتها، مما يجعل من مخرجات الحوار وثيقة وطنية يصعب القفز عليها دولياً إذا ما حظيت بإجماع داخلي واسع.
التداعيات: ما بعد التوصيات.. الانفراج أم الانفجار؟
تتمثل التداعيات الفورية لختام الحوار المهيكل في وضع المؤسسات الحالية أمام مسؤولياتها التاريخية. فإذا تبنت بعثة الأمم المتحدة هذه التوصيات وحولتها إلى خارطة طريق ملزمة، فإننا قد نشهد ضغطاً دولياً متزايداً لتشكيل حكومة موحدة جديدة تشرف على الانتخابات. هذا السيناريو قد يؤدي إلى انفراجة سياسية، لكنه في المقابل قد يشعل صراعاً جديداً مع الحكومة القائمة في طرابلس بقيادة عبد الحميد الدبيبة، أو الحكومة المكلفة من البرلمان في الشرق، حيث يرفض كل طرف التنازل عن مكتسباته دون ضمانات قانونية وأمنية كافية.
على الصعيد الشعبي، التداعيات قد تكون سلبية في حال فشل التنفيذ؛ إذ سيؤدي ذلك إلى تعميق حالة "اليأس السياسي" لدى الشارع الليبي. هناك 2.8 مليون ناخب مسجل في منظومة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ينتظرون ممارسة حقهم الديمقراطي منذ عام 2021. الفشل في تحويل توصيات الحوار المهيكل إلى واقع ملموس سيعني استمرار تدهور الخدمات العامة، وانقطاع التيار الكهربائي، ونقص السيولة النقدية، مما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى انفجار شعبي أو احتجاجات واسعة قد تخرج عن السيطرة، على غرار ما حدث في يوليو 2022 عندما تم إحراق مبنى البرلمان في طبرق.
أما على الصعيد العسكري، فإن عدم وجود ضمانات لتنفيذ التوصيات قد يدفع الأطراف المسلحة إلى إعادة التموضع. الجمود السياسي غالباً ما يكون مقدمة لتصعيد عسكري في ليبيا، حيث تستغل الأطراف فترات "الحوار الفاشل" لتعزيز ترسانتها العسكرية. لذا، فإن مخرجات الحوار المهيكل تمثل "الفرصة الأخيرة" للدبلوماسية قبل أن تعود لغة السلاح لتتصدر المشهد مجدداً، خاصة مع استمرار التحشيدات العسكرية المتقطعة في مناطق خطوط التماس بسرت والجفرة.
الأطراف المعنية: خارطة القوى والمصالح المتضاربة
تتوزع الأطراف المعنية بهذا الحوار إلى ثلاث دوائر أساسية. الدائرة الأولى هي الأطراف المؤسسية الرسمية: مجلس النواب برئاسة عقيلة صالح، والمجلس الأعلى للدولة برئاسة محمد تكالة (أو من يخلفه في الصراعات الداخلية على الرئاسة). هذه الأطراف تنظر إلى الحوار المهيكل بعين الريبة، لأنه يسحب البساط من تحت أقدامها ويقدم بدائل سياسية وتوصيات قد تنهي صلاحيتها القانونية. الدائرة الثانية هي القوة العسكرية على الأرض، وتتمثل في رئاسة الأركان في الغرب والقيادة العامة بقيادة المشير خليفة حفتر في الشرق، وهؤلاء يملكون "فيتو" حقيقي على أي اتفاق لا يضمن مكانتهم في الهيكل الأمني القادم.
الدائرة الثالثة هي المجتمع المدني والقوى الاجتماعية والقبلية التي شاركت في الـ 120 شخصية. هؤلاء يمثلون "الشرعية الشعبية" التي يحاول الحوار تسويقها. نجاح هؤلاء يعتمد على قدرتهم على تحويل التوصيات إلى ضغط ميداني. ولا ننسى المفوضية الوطنية العليا للانتخابات برئاسة عماد السايح، التي تنتظر "القوانين الانتخابية" النهائية المنبثقة عن توافقات سياسية حقيقية لتبدأ في التنفيذ الفني. كل طرف من هؤلاء يملك حسابات مكسب وخسارة دقيقة، وأي إخلال بالتوازن قد يؤدي إلى انسحاب طرف وانهيار العملية برمتها.
دوليًا، تبرز الولايات المتحدة عبر مبعوثها الخاص ريتشارد نولاند، والاتحاد الأوروبي، كداعمين لمسار الحوار لضمان استقرار تدفقات النفط ومنع تمدد النفوذ الروسي (عبر فيلق أفريقيا) في الشرق والجنوب. في المقابل، تسعى القوى الإقليمية لضمان أن يكون شكل الدولة القادم متوافقاً مع أمنها القومي. هذا التضارب في المصالح يجعل من الصعب إيجاد "نقطة التقاء" ترضي الجميع، مما يجعل تنفيذ مخرجات الحوار المهيكل مهمة أشبه بالسير في حقل ألغام.
الموقف والتحليل: حقيقة الحوار المهيكل.. هل نخدع أنفسنا؟
بصفتنا في موقع "عالم محير٨٣"، ومن خلال تقصي الحقائق وتحليل المعطيات، نرى أن الحوار المهيكل الليبي، رغم نبل أهدافه الظاهرة، يعاني من أزمة "غياب الأنياب". المقال التحليلي الصريح يفرض علينا القول إن الأزمة الليبية ليست أزمة "نقص في الحوار" أو "فقدان للتوصيات". ليبيا تملك أطنانًا من التوصيات والخرائط والاتفاقات الموقعة بالأحرف الأولى والنهائية. الأزمة الحقيقية هي أزمة "إرادة تنفيذ" و"تغول النخبة". الشخصيات الـ 120 التي اجتمعت قد تملك الحكمة، لكنها لا تملك سلطة القرار على الأرض، بينما من يملكون السلطة (السياسيون والعسكريون) غير مستعدين للتنازل عن كراسيهم لصالح عملية ديمقراطية غير مضمونة النتائج بالنسبة لهم.
إن ما يسمى بـ "الحوار المهيكل" قد يتحول، إذا لم ترافقه آليات عقابية دولية صارمة، إلى مجرد "إبرة تخدير" تمنح الطبقة السياسية الحالية المزيد من الوقت تحت ذريعة "دراسة المخرجات" و"التشاور حول التنفيذ". الحقيقة المرة هي أن استمرار حالة "لا حرب ولا سلم" تخدم مصالح شبكات الفساد والتهريب والانتفاع من الاعتمادات المستندية، وهؤلاء هم العدو الحقيقي لأي حوار. التحليل العميق يشير إلى أن أي مسار حوار يتجاهل تفكيك شبكات المصالح المالية المرتبطة بالانقسام، سيبقى يدور في حلقة مفرغة.
في الختام، الموقف الجريء الذي نتبناه هو أن مخرجات الحوار المهيكل ستلحق بسابقاتها في أرشيف الأمم المتحدة، ما لم يتم تحويلها إلى "أمر واقع" بضغط شعبي عارم يتجاوز النخب الحالية، أو عبر توافق دولي كبير يفرض حكومة تكنوقراط مصغرة مهمتها الوحيدة هي الانتخابات خلال 6 أشهر. دون ذلك، سيظل المواطن الليبي يتفرج على مسرحيات الحوار، بينما يغرق وطنه في ديون الانقسام وتآكل المؤسسات. الاختبار الآن ليس في "ماذا قال المتحاورون؟" بل في "من يجرؤ على التنفيذ؟"، والإجابة حتى الآن تبدو قاتمة في ظل تمسك الحرس القديم بمفاتيح السلطة.
Libya's Structured Dialogue: A Path to Stability or a Tactical Delay for the Ruling Elite?
With 120 participants concluding the 'Structured Dialogue,' Libya faces a critical juncture. Will these recommendations lead to actual change, or are they another symbolic gesture in a nation paralyzed by divided legitimacy?
Background of the Event
The Libyan Structured Dialogue concluded its intensive sessions after months of deliberations involving over 120 Libyan figures. These participants represented a broad spectrum of political parties, civil society organizations, and tribal leaders from across the eastern, western, and southern regions. The initiative, often facilitated by international mediators and the Centre for Humanitarian Dialogue, aimed to bridge the gap between the rival administrations in Tripoli and Benghazi. This process comes at a time when the political vacuum has reached a critical point, following the failure to hold national elections originally scheduled for December 24, 2021.
Historically, Libya has been trapped in a cycle of transitional periods since the 2011 uprising. From the Skhirat Agreement in 2015 to the Geneva-led Libyan Political Dialogue Forum (LPDF) in 2021, the pattern remains the same: high hopes followed by institutional paralysis. The Structured Dialogue attempted to avoid previous mistakes by focusing on a 'bottom-up' approach, ensuring that local stakeholders were included in the decision-making process rather than just the top-tier political elites who have often been accused of 'spoiler' behavior.
Dimensions of the Dialogue
The dimensions of this dialogue extend beyond mere political power-sharing. It addressed three critical tracks: the political roadmap, the economic framework, and the security stabilization. On the economic front, the focus was on the equitable distribution of oil revenues and the unification of the Central Bank of Libya (CBL), which remains a flashpoint for conflict. Politically, the participants debated the constitutional basis for elections, a perennial stumbling block that has prevented over 2.8 million registered voters from casting their ballots.
Furthermore, the dialogue touched upon the social dimension, emphasizing national reconciliation and the return of displaced persons. In a country where local grievances often translate into national instability, these discussions were vital. However, the shadow of external interference—involving regional powers like Turkey and Egypt—remained a silent yet influential dimension, as any internal Libyan consensus must eventually align with or navigate the interests of these foreign stakeholders.
Consequences and Potential Impact
The primary consequence of this dialogue's conclusion is the immediate pressure it places on the Government of National Unity (GNU) and the House of Representatives (HoR). If the recommendations are ignored, it could lead to a total loss of faith in diplomatic solutions, potentially triggering a return to armed confrontation. Conversely, if adopted, these recommendations could provide a technical roadmap for the High National Elections Commission (HNEC) to finalize the voter rolls and set a definitive date for presidential and parliamentary polls.
There is also the risk of 'institutional fatigue.' The Libyan public has grown weary of endless committees and forums that fail to improve living standards or provide security. The failure of this specific track could empower hardliners on both sides who argue that only a military solution can resolve the country's division. The economic fallout of continued deadlock is equally severe, with inflation rising and the infrastructure crumbling despite Libya’s vast oil wealth.
Key Stakeholders Involved
The landscape of stakeholders in the Structured Dialogue is complex. On one side stands the Tripoli-based administration led by Abdul Hamid Dbeibah, and on the other, the Benghazi-aligned forces under the Libyan National Army (LNA) led by Khalifa Haftar. The House of Representatives (HoR) in Tobruk, led by Aguila Saleh, and the High Council of State (HCS) remain the primary legislative bodies whose approval is necessary for any transition. The involvement of 120 figures was meant to dilute the monopoly of these traditional 'big players' by including voices from the Fezzan region and marginalized groups.
Internationally, the United Nations Support Mission in Libya (UNSMIL) plays a monitoring role. Despite the resignation of several UN envoys over the years, the mission continues to push for a unified executive. Regional neighbors, particularly Egypt, Algeria, and Tunisia, are closely watching the outcomes, as Libya’s stability is directly tied to North African regional security and the management of migration flows across the Mediterranean.
Analysis and Strategic Outlook
From an analytical perspective, the Structured Dialogue is a double-edged sword. While it represents a sophisticated attempt at consensus-building, it suffers from a lack of 'enforcement mechanisms.' In the realm of realpolitik, recommendations are not laws. The bold truth is that the current political elite in Libya benefits from the status quo; as long as there is a 'transition,' they remain in power without the risk of losing an election. This dialogue, despite its noble intentions, risks being used as a 'time-buying' tactic by those who wish to postpone the inevitable shift in power.
To achieve a real breakthrough, the international community must move beyond 'expressing concern' and implement tangible consequences for those who obstruct the implementation of these recommendations. The Libyan crisis is no longer a crisis of 'dialogue'—it is a crisis of 'implementation.' Without a unified military command and a transparent financial oversight mechanism, any political agreement will remain fragile. The success of the Structured Dialogue will not be measured by the elegance of its closing statement, but by whether a Libyan citizen can cast a vote in a secure environment by 2025.
المصدر: عالم محير٨٣ — abuomer83.com
0 تعليقات