غارات الضاحية: تدمير ممنهج تحت شعار «الأهداف الثمينة» وهشاشة الردع الدولي
بينما تدعي إسرائيل اصطياد أهداف استراتيجية في قلب بيروت، يكشف الواقع عن استراتيجية «الأرض المحروقة» التي تستهدف العمق اللبناني؛ فهل هي ضربات عسكرية دقيقة أم عقاب جماعي يتجاوز الخطوط الحمراء؟
خلفية الحدث: من «جبهة مساندة» إلى حرب شاملة في قلب العاصمة
منذ اندلاع شرارة المواجهات في الثامن من أكتوبر 2023، اتخذ الصراع بين إسرائيل وحزب الله منحىً تصاعدياً خطيراً، انتقل تدريجياً من قواعد الاشتباك التقليدية على طول الخط الأزرق إلى استهداف مباشر لعمق العاصمة اللبنانية. الغارات التي شنتها المقاتلات الإسرائيلية يوم السبت على الضاحية الجنوبية لبيروت لم تكن مجرد رد فعل عسكري عابر، بل جاءت ضمن سياق عملية «سهام الشمال» التي تهدف إسرائيل من خلالها إلى تقويض قدرات الحزب العسكرية واللوجستية بشكل نهائي. الضاحية، التي تُعد المعقل السياسي والأمني والاجتماعي لحزب الله، شهدت في هذا اليوم سلسلة من الضربات العنيفة التي استهدفت مناطق مكتظة بالسكان مثل حارة حريك وبرج البراجنة والغبيري.
الجيش الإسرائيلي برر هذه الهجمات بأنها استهدفت «بنى تحتية ومراكز قيادة» تابعة للحزب، مشيراً إلى أن هذه المراكز تُستخدم لتوجيه الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة التي انطلقت بكثافة خلال الأيام الماضية نحو حيفا والجليل الأعلى وصولاً إلى تل أبيب. وتأتي هذه التطورات بعد فشل عدة جولات من المفاوضات غير المباشرة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، حيث تصر إسرائيل على تغيير الواقع الأمني في الشمال، بينما يربط حزب الله توقف العمليات بوقف الحرب في قطاع غزة. هذا الربط الجغرافي والسياسي حوّل لبنان إلى ساحة صراع كبرى تتجاوز حدود القرى الحدودية لتطال قلب المركز الاقتصادي والسكاني في البلاد.
أبعاد التصعيد العسكري: استراتيجية «عقيدة الضاحية» بنسختها الحديثة
إن ما نشهده اليوم في الضاحية الجنوبية هو تطبيق عملي وموسع لما يُعرف في الفكر العسكري الإسرائيلي بـ «عقيدة الضاحية» (Dahiyeh Doctrine)، وهي الاستراتيجية التي صاغها رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت خلال حرب 2006، والتي تنص على استخدام قوة تدميرية غير متناسبة ضد المناطق المدنية التي تُستخدم كقواعد لشن هجمات. الغارات الأخيرة استخدمت قنابل ثقيلة خارقة للتحصينات (Bunker Busters) من طراز MK-84، مما أدى إلى تسوية مربعات سكنية كاملة بالأرض. هذا البعد العسكري يهدف إلى خلق ضغط شعبي وبيئي على الحاضنة الشعبية للحزب، وإيصال رسالة مفادها أن تكلفة استمرار العمليات العسكرية ستكون دماراً شاملاً لا يمكن ترميمه بسهولة.
من الناحية التقنية، يدعي المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، دانيال هاغاري، أن الاستهداف يتم بناءً على معلومات استخباراتية دقيقة، لكن حجم الدمار الجانبي يشير إلى أبعاد أخرى. فإسرائيل لا تستهدف فقط المخازن، بل تسعى لتدمير منظومة القيادة والسيطرة (C2) من خلال اغتيال القادة الميدانيين وتدمير مراكز الاتصالات الأرضية. وفي المقابل، أظهرت إحصائيات ميدانية أن حزب الله لا يزال قادراً على إطلاق ما معدله 100 إلى 150 صاروخاً يومياً، مما يطرح تساؤلات جدية حول مدى فعالية هذه الغارات في تحقيق هدف «الردع» أو تعطيل القدرات الصاروخية التي تنتشر في منصات مخفية ومتحركة بعيداً عن المراكز الإدارية المستهدفة في الضاحية.
التداعيات الإنسانية والاقتصادية: لبنان على حافة الانهيار الكلي
تتجاوز آثار الغارات الجوانب العسكرية لتضرب في صميم البنية الاجتماعية اللبنانية. بحسب بيانات وزارة الصحة اللبنانية، ارتفعت حصيلة الضحايا منذ بدء التصعيد لتتجاوز 3,450 قتيلاً وأكثر من 14,700 جريح، نسبة كبيرة منهم سقطوا في غارات استهدفت مبانٍ سكنية في الضاحية والبقاع والجنوب. النزوح الجماعي أصبح الأزمة الأكبر، حيث تقدر الأمم المتحدة والحكومة اللبنانية عدد النازحين بنحو 1.2 مليون شخص، أي ما يعادل خمس سكان لبنان. هؤلاء النازحون يفتقرون إلى أبسط مقومات الحياة، في ظل عجز الدولة اللبنانية التي تعاني أصلاً من أزمة مالية طاحنة منذ عام 2019.
اقتصادياً، أدت الغارات على الضاحية، القريبة جداً من مطار رفيق الحريري الدولي، إلى تهديد حركة الملاحة الجوية ورفع رسوم التأمين على الشحن، مما تسبب في ارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية. الدمار الذي طال المؤسسات التجارية والمصانع الصغيرة في الضاحية والجنوب يقدر بمليارات الدولارات. وفي ظل غياب أي خطة دولية واضحة لإعادة الإعمار، يواجه لبنان خطر التحول إلى «دولة فاشلة» بامتياز، حيث يتم تدمير البنية التحتية المتهالكة أصلاً، مما يعيق أي فرصة للتعافي الاقتصادي في المدى المنظور. إسرائيل تراهن على أن هذا الانهيار سيجبر اللبنانيين على الانقلاب ضد خيارات المقاومة، لكن التاريخ يشير إلى أن مثل هذه الظروف غالباً ما تؤدي إلى مزيد من الراديكالية والفوضى.
الأطراف المعنية: صراع الإرادات بين الميدان والدبلوماسية المشلولة
تتشابك في هذه الأزمة خيوط دولية وإقليمية تجعل من الحل أمراً بعيد المنال. إسرائيل، بقيادة بنيامين نتنياهو، ترى في هذه الغارات فرصة تاريخية لتقليص نفوذ إيران في المنطقة وتأمين عودة 60 ألف مستوطن إلى الشمال قبل حلول العام المقبل. أما حزب الله، فيجد نفسه أمام تحدٍ وجودي؛ فهو مطالب بالحفاظ على توازناته الداخلية وحماية حاضنته، وفي الوقت نفسه عدم التراجع الذي قد يُفسر على أنه انكسار أمام الآلة العسكرية الإسرائيلية. إيران، من جهتها، تراقب المشهد وتدعم الحزب لوجستياً وسياسياً، معتبرة أن كسر حزب الله يعني سقوط أحد أهم أذرعها في «محور المقاومة».
أما الموقف الدولي، فيبدو متخبطاً ومنقسماً. الولايات المتحدة، الداعم العسكري الأول لإسرائيل، ترسل مبعوثها آموس هوكشتاين بمقترحات تتضمن منطقة عازلة وسحب سلاح الحزب، وهو ما يراه الجانب اللبناني مساساً بالسيادة. فرنسا تحاول لعب دور الوسيط التقليدي لكن ضغوطها تفتقر إلى الأدوات التنفيذية. الحكومة اللبنانية الرسمية، برئاسة نجيب ميقاتي، تبدو في أضعف حالاتها، فهي لا تملك سلطة القرار على الأرض، وتكتفي بإصدار بيانات الإدانة والمطالبة بتنفيذ القرار 1701 من طرف واحد، بينما تغيب الإرادة الدولية الحقيقية للضغط على إسرائيل لوقف استهداف المدنيين والمرافق العامة.
الموقف والتحليل: «الأهداف الثمينة».. ذريعة للتهجير وتفتيت الدولة
كـ «محرر أخبار وتقصّي حقائق»، يجب أن نسمي الأشياء بمسمياتها: إن مصطلح «الأهداف الثمينة» الذي تستخدمه الماكنة الإعلامية الإسرائيلية هو غطاء لغوي لتبرير عمليات تدمير حضري واسعة النطاق لا تفرق بين مقاتل ومدني. الغارات على الضاحية يوم السبت لم تكن جراحية بالمعنى العسكري، بل كانت تدميرية بامتياز. التحليل العميق للمشهد يشير إلى أن إسرائيل استنفدت بنك أهدافها الاستراتيجي وبدأت في الانتقال إلى مرحلة «الإنهاك الشامل»، حيث يتم استهداف الشجر والحجر لكسر الروح المعنوية. هذه السياسة أثبتت فشلها تاريخياً؛ ففي عام 2006 دُمرت الضاحية عن بكرة أبيها، وخرج الحزب بعدها أقوى تسليحاً ونفوذاً.
الرأي الجريء هنا هو أن المجتمع الدولي، بصمته المطبق، يمنح إسرائيل صكاً على بياض لتحويل بيروت إلى نسخة ثانية من مدينة غزة. إن الادعاء بوجود مخازن أسلحة تحت الأبنية السكنية -وإن صح في بعض الحالات- لا يعطي الحق القانوني أو الأخلاقي لإبادة مربعات سكنية يقطنها آلاف المدنيين. ما يحدث هو جريمة حرب موصوفة تُرتكب تحت شعار «الدفاع عن النفس». إن استمرار هذا النهج العسكري دون أفق سياسي يعني أننا أمام حرب استنزاف طويلة، الخاسر الأكبر فيها هو مفهوم «الدولة اللبنانية» والمدنيين العزل. الحل لن يكون عبر قنابل الـ 2000 رطل، بل عبر تسوية عادلة تعيد الاعتبار للسيادة الوطنية اللبنانية وتنهي الاحتلال والعدوان، وما دون ذلك هو مجرد حرث في البحر وتكديس لمزيد من الركام والأحقاد التي ستنفجر في وجه الجميع مستقبلاً.
Dahiyeh Airstrikes: Systematic Destruction Under the 'Precious Targets' Banner and the Fragility of International Deterrence
As Israel claims to strike strategic targets in the heart of Beirut, the reality reveals a 'scorched earth' strategy targeting the Lebanese depth. Are these surgical military strikes, or collective punishment crossing all red lines?
Background of the Escalation
Since the onset of the conflict on October 8, 2023, the border clashes between Israel and Hezbollah have evolved from a 'support front' into a full-scale war. The recent strikes on the Southern Suburbs of Beirut (Dahiyeh) represent a significant escalation in the Israeli military operations. On Saturday, Israeli fighter jets conducted a series of heavy raids targeting what the IDF described as Hezbollah's 'nerve centers' and 'command facilities' hidden within civilian infrastructure. This surge in violence follows a week of intense rocket fire and drone incursions from Lebanon towards Haifa and the Galilee regions.
Historically, the Dahiyeh has been the symbolic and administrative stronghold of Hezbollah. By shifting the focus of operations from the southern border to the heart of the capital's suburbs, Israel aims to dismantle the group's logistics and communication networks. According to military reports, these strikes are not isolated incidents but part of a broader campaign aimed at forcing Hezbollah to retreat beyond the Litani River, as stipulated in UN Resolution 1701.
The Military and Strategic Dimensions
The Saturday raids utilized advanced munitions, including GBU-series bunker busters, which caused massive tremors felt across Beirut. The IDF spokesperson, Daniel Hagari, emphasized that the targets included weapon storage facilities and intelligence headquarters. However, the geographic scope of these strikes—hitting neighborhoods like Haret Hreik and Burj al-Barajneh—indicates a revival of the 'Dahiyeh Doctrine,' a military strategy first articulated in 2006 that advocates for the use of disproportionate force against civilian infrastructure used by enemy combatants.
From a strategic standpoint, Israel is leveraging its air superiority to compensate for the complexities of a potential ground invasion. By targeting the 'precious targets,' Israel seeks to degrade Hezbollah's middle-management leadership and disrupt their ability to coordinate large-scale attacks on northern Israeli settlements. Yet, the persistent launching of drones by Hezbollah proves that despite the heavy bombardment, the group retains significant operational resilience.
The Humanitarian and Economic Consequences
The humanitarian situation in Lebanon has reached a breaking point. The Lebanese Ministry of Public Health reported that since the escalation began, casualties have exceeded 3,400 deaths and over 14,000 injuries. In the Dahiyeh alone, thousands of residential units have been completely leveled, displacing over 1.2 million people across the country. The displacement crisis is creating immense pressure on Beirut's already fragile infrastructure, with schools and public buildings transformed into overcrowded shelters.
Economically, the strikes have paralyzed what remains of Lebanon's productive sectors. The proximity of the raids to the Rafic Hariri International Airport poses a direct threat to the country's only gateway to the world. Insurance costs for shipping and aviation have skyrocketed, further isolating Lebanon and exacerbating an economic crisis that the World Bank previously described as one of the worst globally since the mid-19th century.
The Key Actors and Diplomatic Deadlock
The conflict involves a complex web of regional and international players. On one side, Israel is driven by the domestic necessity to return over 60,000 displaced residents to its northern communities. On the other, Hezbollah, backed by Iranian logistics, maintains its stance that the Lebanese front is inextricably linked to the cessation of hostilities in Gaza. The Lebanese government, led by Najib Mikati, finds itself in a precarious position, unable to enforce sovereign decisions while pleading for international intervention.
Diplomatically, the efforts led by US envoy Amos Hochstein and French mediators have hit a wall. While the US continues to provide Israel with the military hardware used in these raids, it simultaneously calls for a ceasefire—a contradiction that many analysts see as a green light for Israel to continue its operations. The lack of a unified Arab or international stance has allowed the conflict to spiral into a war of attrition with no clear exit strategy.
Analysis and Critical Position
The current Israeli strategy in Lebanon is a gamble on the effectiveness of pure military power to resolve a deeply political and ideological conflict. The 'Precious Targets' narrative serves as a convenient cloak for a campaign that increasingly looks like the systematic destruction of a nation's capital. History has shown that the Dahiyeh Doctrine often leads to increased radicalization rather than submission. By leveling residential blocks, Israel may be destroying concrete, but it is also building a legacy of resentment that will fuel future conflicts.
In conclusion, the international community's silence is complicity. The failure to distinguish between military necessity and humanitarian preservation is turning Beirut into another Gaza. The real 'precious target' should be a sustainable diplomatic framework that addresses the security concerns of all parties without sacrificing the lives and future of millions of Lebanese civilians who find themselves caught in a crossfire they did not choose.
المصدر: عالم محير٨٣ — abuomer83.com
0 تعليقات