قمة 'الفرصة الأخيرة': هل تنهي مصافحة بوتين وزيلينسكي حمام الدم في أوكرانيا برعاية ترامب؟
وسط انسداد أفق الحل العسكري وتزايد الخسائر البشرية التي تجاوزت مئات الآلاف، تبرز دعوة زيلينسكي للقاء بوتين كمنعطف درامي. هل ينجح دونالد ترامب في هندسة 'صفقة القرن' الأوروبية، أم أن طاولة المفاوضات ستتحول إلى فخ سياسي جديد؟
خلفية الحدث: من خنادق باخموت إلى صالونات الدبلوماسية
منذ اندلاع الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في الرابع والعشرين من فبراير عام 2022، دخل العالم في نفق مظلم من المواجهات العسكرية التي لم يشهدها القارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. على مدار أكثر من عامين، تحولت مدن مثل ماريوبول وباخموت وأفدييفكا إلى ركام، في حرب استنزاف طاحنة أدت، وفقاً لتقديرات استخباراتية غربية، إلى مقتل وإصابة ما يقرب من 500 ألف جندي من الطرفين. ورغم محاولات الوساطة التي قادتها تركيا في مارس 2022 بمدينة إسطنبول، والتي كادت أن تصل إلى مسودة تفاهم، إلا أن اكتشاف فظائع 'بوتشا' وانهيار الثقة المتبادلة أعاد لغة المدافع لتكون هي الوحيدة المسموعة.
اليوم، يأتي اقتراح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بعقد لقاء مباشر مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كتحول جذري في الخطاب السياسي الأوكراني. فبعد شهور من التمسك بـ 'صيغة السلام' الأوكرانية التي تشترط الانسحاب الكامل للقوات الروسية من كافة الأراضي المحتلة بما فيها القرم (التي ضمتها روسيا عام 2014)، يبدو أن الضغوط الميدانية وتراجع زخم المساعدات العسكرية الغربية دفعا كييف للبحث عن مسار تفاوضي مباشر. هذا التحول لا يعكس ضعفاً بالضرورة، بل هو إدراك لواقعية سياسية تفرضها المتغيرات الدولية، وعلى رأسها عودة دونالد ترامب بقوة إلى المشهد السياسي الأمريكي وتصريحاته المتكررة بقدرته على إنهاء الحرب في 'أقل من 24 ساعة'.
أبعاد الدعوة وتوقيتها: لماذا الآن وما هي الرسائل؟
توقيت هذه الدعوة ليس محض صدفة؛ فهو يأتي في وقت تعاني فيه أوكرانيا من نقص حاد في الذخائر والكوادر البشرية، بينما تواجه روسيا عقوبات اقتصادية خانقة استهدفت أكثر من 16,000 فرد وكيان منذ بداية الحرب. دعوة زيلينسكي لوقف شامل لإطلاق النار تهدف إلى وقف النزيف البشري وتجميد خطوط المواجهة التي تمتد لأكثر من 1000 كيلومتر. من جهة أخرى، رد الكرملين السريع بالترحيب بالاجتماع في موسكو 'في أي وقت' يحمل دلالات استراتيجية؛ فهو يصور روسيا في ثوب الدولة المنفتحة على الحوار، وفي الوقت ذاته يضع زيلينسكي في موقف حرج أمام شعبه إذا ما وافق على الذهاب إلى موسكو، عاصمة الدولة التي يعتبرها الأوكرانيون 'معتدية'.
البعد الآخر يتمثل في دخول دونالد ترامب على خط الأزمة. ترحيب ترامب باللقاء يعطي شرعية دولية لمسار تفاوضي قد يتجاوز المؤسسات التقليدية مثل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو. ترامب، الذي يتبنى سياسة 'أمريكا أولاً'، يرى في إنهاء الصراع الأوكراني فرصة لتقليل النفقات العسكرية الأمريكية التي تجاوزت 113 مليار دولار كحزم مساعدات لأوكرانيا منذ 2022. هذا التقاطع في المصالح بين رغبة زيلينسكي في وقف الحرب، ومرونة بوتين التكتيكية، وضغط ترامب السياسي، يخلق زخماً لم يكن متاحاً قبل أشهر قليلة، لكنه يظل محفوفاً بالألغام السياسية التي قد تفجر أي لقاء قبل بدئه.
التداعيات الجيوسياسية والعسكرية: إعادة رسم خارطة النفوذ
إذا ما انعقد هذا اللقاء، فإن التداعيات ستتجاوز حدود البلدين لتشكل نظاماً أمنياً جديداً في أوروبا. أولى هذه التداعيات هي 'تجميد الصراع' على الطريقة الكورية، وهو سيناريو يخشاه الكثير من المحللين العسكريين. فإعلان وقف إطلاق النار دون اتفاق سياسي شامل قد يعني بقاء القوات الروسية في الأقاليم الأربعة التي أعلنت ضمها (دونيتسك، لوهانسك، زاباروجيا، وخيرسون)، وهو ما يمثل تحدياً صارخاً للقانون الدولي. عسكرياً، يحتاج الجيش الأوكراني إلى هذا التوقف لإعادة تنظيم صفوفه وتدريب قواته على الأسلحة الغربية الحديثة مثل مقاتلات F-16 التي بدأت في الوصول، بينما تأمل روسيا في التقاط الأنفاس لمواجهة أزمات التضخم التي بلغت 7.4% في عام 2023.
أما على الصعيد الجيوسياسي، فإن لقاء بوتين وزيلينسكي برعاية ترامب قد يهمش دور القادة الأوروبيين مثل إيمانويل ماكرون وأولاف شولتس، الذين دفعوا باتجاه دعم أوكرانيا 'حتى النصر'. هذا اللقاء قد يؤدي إلى تصدع في وحدة 'الناتو' إذا ما شعرت دول شرق أوروبا (مثل بولندا ودول البلطيق) بأن هناك 'صفقة' تمت من وراء ظهرها تضحي بأمنها القومي مقابل هدوء مؤقت. كما أن الاقتصاد العالمي يترقب هذه الخطوة؛ فمجرد الإعلان عن جدية اللقاء قد يؤدي إلى انخفاض حاد في أسعار النفط والغاز العالمية، وتخفيف الضغوط على سلاسل توريد الحبوب التي تعتمد عليها دول الشرق الأوسط وأفريقيا بشكل أساسي.
الأطراف المعنية: مصالح متقاطعة وأوراق ضغط
في هذه المعادلة المعقدة، هناك أربعة لاعبين أساسيين: أولاً، زيلينسكي الذي يراهن على شرعيته السياسية؛ فهو يدرك أن الاستمرار في حرب لا نهاية لها قد يؤدي إلى تآكل شعبيته داخلياً، خاصة مع استمرار الضربات الروسية على البنية التحتية للطاقة التي دمرت نحو 50% من قدرات التوليد في أوكرانيا. ثانياً، بوتين الذي يريد اعترافاً دولياً بالأمر الواقع (Realpolitik) ورفعاً تدريجياً للعقوبات التي جمدت أكثر من 300 مليار دولار من أصول البنك المركزي الروسي في الخارج. بوتين يرى في ترامب وسيطاً يمكن 'التفاهم' معه بعيداً عن أيديولوجية الديمقراطيين المتشددة تجاه روسيا.
ثالثاً، دونالد ترامب الذي يسعى لترسيخ صورته كـ 'صانع صفقات' (Dealmaker) عالمي، وتحقيق انتصار دبلوماسي سريع يخرس به خصومه في واشنطن. ترامب يمتلك ورقة ضغط قوية تتمثل في 'قطع الصنبور' العسكري عن كييف، وهي ورقة تجبر زيلينسكي على الجلوس إلى الطاولة. رابعاً، الاتحاد الأوروبي الذي يجد نفسه في موقف دفاعي؛ فهو لا يريد حرباً دائمة على حدوده، ولكنه يخشى أيضاً من 'سلام منقوص' يغذي أطماع بوتين المستقبلية. ولا ننسى الصين، التي تراقب المشهد بصمت، حيث تعتبر أي تسوية في أوكرانيا نموذجاً قد يُحتذى به في ملفات أخرى مثل تايوان.
الموقف والتحليل: مقامرة كبرى على حافة الهاوية
من وجهة نظر تحليلية في 'عالم محير٨٣'، نرى أن هذه الدعوة وهذا الترحيب يمثلان 'مقامرة كبرى' من كافة الأطراف. الحقيقة المرة التي يجب مواجهتها هي أن الطرفين لا يسعيان لسلام عادل بقدر ما يسعيان لـ 'استراحة محارب'. زيلينسكي يدرك أن الانتصار العسكري الكامل وتحرير كافة الأراضي أصبح بعيد المنال في ظل المعطيات الحالية، وبوتين يدرك أن احتلال كامل أوكرانيا سيكلفه انهيار دولته من الداخل. لذا، فإن اللقاء المباشر هو اعتراف ضمني بالفشل في حسم المعركة عسكرياً، وهو انتصار للدبلوماسية الاضطرارية لا الدبلوماسية الأخلاقية.
الرأي الجريء هنا هو أن أي لقاء يتم في موسكو، كما اقترح الكرملين، سيكون بمثابة 'استسلام بروتوكولي' لزيلينسكي، وهو ما لن يقبله الداخل الأوكراني المتشدد. الحل الوحيد الواقعي هو عقد القمة في 'أرض محايدة' (مثل إسطنبول أو جنيف أو حتى دبي) بضمانات دولية صلبة. إن رهان ترامب على قدرته الشخصية في حل الأزمة قد يصطدم بتعقيدات تاريخية وقومية لا تحلها 'الصفقات' التجارية. في النهاية، السلام الذي قد ينتج عن هذا اللقاء سيكون 'سلاماً بارداً' وهشاً، ما لم يتضمن خطة مارشال لإعادة إعمار أوكرانيا (التي تقدر تكلفتها بـ 411 مليار دولار وفقاً للبنك الدولي) وضمانات أمنية تمنع تكرار الغزو مستقبلاً. بدون ذلك، فإننا نؤجل الحرب لا ننهيها.
The 'Last Chance' Summit: Will a Putin-Zelensky Handshake End the Bloodshed Under Trump's Patronage?
As military solutions stall and casualties mount into the hundreds of thousands, Zelensky's call for a direct meeting with Putin marks a dramatic turning point. Will Donald Trump engineer a European 'deal of the century', or is the negotiating table merely a new political trap?
Context of the Conflict
The Russo-Ukrainian war, which escalated into a full-scale invasion on February 24, 2022, has reached a critical stalemate. After more than two years of attrition, the front lines remain largely static despite significant casualties on both sides. The international community has seen various peace initiatives, from the grain deal to prisoner exchanges, but a direct political settlement has remained elusive since the collapse of the Istanbul talks in March 2022.
Dimensions of the Proposed Meeting
President Volodymyr Zelensky's recent shift toward a direct dialogue with Vladimir Putin signals a strategic pivot. Faced with 'aid fatigue' in Western capitals and a complex domestic situation, Kyiv is seeking a diplomatic breakthrough. The Kremlin’s response—that a meeting could happen 'at any time' in Moscow—places the ball in Ukraine's court while setting a high bar for the location and conditions of such a summit.
The Trump Factor
Donald Trump’s endorsement of the meeting adds a layer of American 'Realpolitik' to the situation. Trump has consistently claimed he could end the conflict within 24 hours, and his support for direct talks suggests a move away from the current administration's 'as long as it takes' policy toward a 'peace through negotiation' stance. This pressure from Washington is forcing both Moscow and Kyiv to reconsider their rigid preconditions.
Strategic Consequences
A potential summit carries immense risks and rewards. For Ukraine, it could mean a much-needed ceasefire to prevent further infrastructure destruction, which has already cost over $486 billion according to World Bank estimates. For Russia, it represents a chance to formalize some of its territorial gains and seek relief from international sanctions. However, the lack of a clear security framework could turn any peace into a temporary pause for rearmament.
Analysis and Outlook
From a critical perspective, a meeting between Putin and Zelensky is no longer a luxury but a historical necessity. However, the bold reality is that any deal brokered under current conditions might require painful concessions from Ukraine regarding its NATO aspirations or territorial integrity. The success of such a summit depends not on the handshake itself, but on the international guarantees provided to ensure that peace is not just a prelude to a larger conflict.
المصدر: عالم محير٨٣ — abuomer83.com
0 تعليقات