خارطة النفوذ الروسي في الساحل الأفريقي: صعود 'الفيلق الأفريقي' وتراجع الهيمنة الغربية

📌 سياسة

خارطة النفوذ الروسي في الساحل الأفريقي: صعود 'الفيلق الأفريقي' وتراجع الهيمنة الغربية

📅 ٦ يونيو ٢٠٢٦ #روسيا #الساحل الأفريقي #الفيلق الأفريقي #النيجر #مالي #بوركينا فاسو #جيوسياسة

تحليل استقصائي لعمليات التحول الجيوسياسي في منطقة الساحل الأفريقي، حيث تستبدل الدول الحليفة سابقاً للغرب تعاونها الأمني مع باريس وواشنطن بشراكات عسكرية مع موسكو عبر 'الفيلق الأفريقي'.

إعلان
خارطة النفوذ الروسي في الساحل الأفريقي: صعود 'الفيلق الأفريقي' وتراجع الهيمنة الغربية

شاهد الفيديو

من فاغنر إلى الفيلق الأفريقي: إعادة هيكلة النفوذ

شهدت السياسة الخارجية الروسية في القارة السمراء تحولاً جذرياً عقب مقتل مؤسس مجموعة فاغنر، يفغيني بريغوجين، في 23 أغسطس 2023. هذا الحادث لم ينهِ الوجود الروسي، بل أدى إلى مأسسته تحت مظلة وزارة الدفاع الروسية من خلال ما يعرف بـ "الفيلق الأفريقي" (Africa Corps). يقود هذا التحول نائب وزير الدفاع الروسي يونس بك يفكوروف، الذي قام بسلسلة من الزيارات المكوكية إلى باماكو وواغادوغو ونيامي لتوقيع اتفاقيات دفاعية رسمية. تهدف موسكو من خلال هذه الهيكلية الجديدة إلى نشر ما يقارب 40,000 جندي ومستشار عسكري في دول الساحل، مما يمنح الكرملين سيطرة مباشرة على العمليات بعيداً عن ضبابية المجموعات الخاصة.

تعتمد استراتيجية الفيلق الأفريقي على تقديم حزمة متكاملة من الخدمات تشمل حماية الأنظمة الحاكمة، والتدريب العسكري، وتقديم الدعم الاستخباراتي، مقابل الحصول على امتيازات في قطاع التعدين. تشير التقارير الاستخباراتية إلى أن موسكو تسعى لإنشاء قواعد لوجستية دائمة في المنطقة، وهو ما أكدته التحركات الأخيرة في بوركينا فاسو حيث وصلت أولى دفعات الفيلق في يناير 2024. هذا التحول يعكس رغبة روسية في تحويل منطقة الساحل إلى جبهة استنزاف سياسي للغرب، ومساحة جيوسياسية بديلة لتعويض الحصار المفروض عليها بسبب الحرب في أوكرانيا.

مالي: حجر الزاوية في التمدد الروسي

تعتبر مالي المختبر الأول لنجاح الاستراتيجية الروسية الجديدة. فمنذ الانقلاب العسكري الذي قاده العقيد عاصيمي غويتا في عام 2020، بدأت باماكو في فك ارتباطها التاريخي مع باريس. في أغسطس 2022، غادر آخر جندي فرنسي من عملية "برخان" الأراضي المالية، ليدخل بدلاً منهم مئات المدربين الروس. نقطة التحول الكبرى كانت في 14 نوفمبر 2023، عندما استعاد الجيش المالي السيطرة على مدينة كيبال الاستراتيجية في الشمال، وهو معقل المتمردين الطوارق الذي عجزت القوات الفرنسية والدولية عن دخوله لعقد من الزمن. تم هذا النصر بدعم جوي واستخباراتي روسي مباشر، مما عزز شعبية المجلس العسكري الحاكم.

وفقاً لتقديرات مراكز الأبحاث الدولية، يتواجد في مالي حالياً ما بين 1,000 إلى 1,500 عنصر من القوات الروسية. لم يقتصر التعاون على الجانب العسكري، بل امتد ليشمل صفقات اقتصادية ضخمة؛ حيث تم توقيع اتفاقية لبناء مصفاة للذهب في باماكو بطاقة استيعابية تصل إلى 200 طن سنوياً، مما يمنح موسكو قدرة على التحكم في تدفقات المعدن النفيس بعيداً عن النظام المالي العالمي. هذا التغلغل أدى عملياً إلى إنهاء اتفاق الجزائر للسلام الموقع عام 2015، مما ينذر بعودة الصراعات المسلحة في الشمال ولكن بتوازنات قوى جديدة كلياً.

بوركينا فاسو والنيجر: تأثير الدومينو الجيوسياسي

إعلان

لم يتوقف الزخم الروسي عند حدود مالي، بل امتد بسرعة إلى بوركينا فاسو والنيجر، مشكلاً ما بات يعرف بـ "تحالف دول الساحل" (AES) الذي تأسس في سبتمبر 2023. في بوركينا فاسو، اتخذ النقيب إبراهيم تراوري خطوات مماثلة لمالي، حيث طرد القوات الفرنسية من قاعدة "كامبوينسين" في فبراير 2023. وتؤكد الأرقام وصول حوالي 100 مستشار عسكري روسي إلى واغادوغو في مطلع عام 2024، كدفعة أولى من وحدة قوامها 300 فرد مهمتها الأساسية حماية الرئيس وتدريب قوات النخبة على مكافحة الجماعات المتطرفة التي تسيطر على نحو 40% من مساحة البلاد.

أما في النيجر، فقد وجه الانقلاب العسكري في 26 يوليو 2023 بقيادة الجنرال عبد الرحمن تشياني ضربة قاصمة للاستراتيجية الأمريكية في أفريقيا. النيجر كانت تحتضن القاعدة الجوية 201 في أغاديز، وهي قاعدة للطائرات المسيرة بلغت تكلفة إنشائها 110 مليون دولار. في مارس 2024، أعلن المجلس العسكري في نيامي إلغاء اتفاقية التعاون العسكري مع الولايات المتحدة بأثر فوري، بعد زيارة وفد روسي رفيع المستوى للبلاد. هذا التحول يضع مصير 1,100 جندي أمريكي في مهب الريح، ويفتح الباب أمام الفيلق الأفريقي الروسي للسيطرة على أحد أهم مواقع المراقبة الجوية في القارة السمراء.

الاقتصاد السياسي للذهب واليورانيوم

لا يمكن فصل التحركات السياسية والعسكرية الروسية عن المصالح الاقتصادية العميقة. في مالي، تسيطر الشركات الروسية المرتبطة بالكرملين على مناجم ذهب حيوية، مثل منجم إنتاهاكا. وتشير تقديرات وزارة الخزانة الأمريكية إلى أن نشاطات فاغنر (والآن الفيلق الأفريقي) في قطاع الذهب الأفريقي تدر أرباحاً تتجاوز مليار دولار سنوياً، تُستخدم جزئياً لتمويل المجهود الحربي الروسي. هذا النموذج من "الأمن مقابل الموارد" يجعل الأنظمة العسكرية في الساحل أقل اعتماداً على المساعدات الغربية المشروطة بالإصلاحات الديمقراطية.

في النيجر، يبرز اليورانيوم كأهم ورقة ضغط جيوسياسي. النيجر توفر نحو 25% من احتياجات الاتحاد الأوروبي من اليورانيوم، وهي شريك أساسي لشركة "أورانو" الفرنسية. ومع تزايد النفوذ الروسي، هناك مخاوف جدية في باريس وبروكسل من قيام المجلس العسكري في نيامي بتوجيه صادرات اليورانيوم نحو روسيا أو استخدامها كأداة للمساومة السياسية. لقد بدأت شركة روساتوم الروسية بالفعل في إجراء محادثات أولية مع السلطات النيجرية لاستكشاف فرص الاستثمار في قطاع التعدين، مما يعني حصاراً طاقياً محتملاً على القارة العجوز.

انحسار النفوذ الغربي: نهاية حقبة 'فرانس-أفريك'

يمثل الصعود الروسي في الساحل إعلاناً رسمياً عن وفاة منظومة "فرانس-أفريك" (Françafrique)، وهي شبكة العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي حافظت بها فرنسا على هيمنتها في مستعمراتها السابقة. اضطرار فرنسا لسحب قواتها من مالي وبوركينا فاسو والنيجر في أقل من عامين يمثل أكبر تراجع استراتيجي لباريس منذ حرب استقلال الجزائر. لم يعد الخطاب الفرنسي حول "محاربة الإرهاب" مقنعاً للشعوب المحلية، التي باتت ترى في القوات الفرنسية قوة احتلال فاشلة لم تنجح في وقف تمدد الجماعات المسلحة طوال عقد من الزمان.

الولايات المتحدة أيضاً تجد نفسها في موقف حرج؛ فبعد استثمار مئات الملايين من الدولارات في القواعد العسكرية والبرامج التدريبية، تجد واشنطن نفسها مجبرة على المغادرة أو التعايش مع وجود عسكري روسي في الجوار. هذا الفراغ الذي تركه الغرب لم تملأه روسيا عسكرياً فحسب، بل ملأته سياسياً من خلال دعم طموحات القادة العسكريين في السلطة، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية تحت شعار "الحلول الأفريقية للمشاكل الأفريقية". والنتيجة هي تشكل كتلة سياسية جديدة في قلب أفريقيا تعادي الغرب وتتجه شرقاً نحو موسكو وبكين.

مستقبل السيادة: بين المطرقة والسندان

على الرغم من النجاحات الروسية السريعة، تظل هناك تساؤلات جوهرية حول استدامة هذا النموذج. الاعتماد على الفيلق الأفريقي قد يحمي الأنظمة العسكرية من الانقلابات المضادة، لكنه لا يضمن بالضرورة القضاء على التهديد الإرهابي. في الواقع، سجلت بيانات مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها (ACLED) زيادة في وتيرة العنف ضد المدنيين في المناطق التي تنشط فيها القوات الروسية والجيوش المحلية، مما قد يؤدي إلى نتائج عكسية على المدى الطويل من خلال تأجيج المقاومة المحلية ودفع الشباب نحو الجماعات المتطرفة.

ختاماً، إن منطقة الساحل الأفريقي تعيد رسم خرائط القوة العالمية. إن طرد القوات الفرنسية والأمريكية واستبدالها بالروس ليس مجرد تغيير في الحلفاء، بل هو تغيير في قواعد اللعبة السياسية الدولية. فالدول الأفريقية في هذه المنطقة تحاول استغلال التنافس بين القوى الكبرى لتحقيق استقلالية أكبر، لكنها في الوقت نفسه تخاطر بالوقوع في فخ تبعية جديدة، حيث يتم مقايضة السيادة الوطنية والموارد الطبيعية بأمن هش واستقرار مهدد بالانفجار في أي لحظة. الساحل اليوم هو ساحة الاختبار الكبرى لنظام عالمي متعدد الأقطاب يتشكل بالحديد والنار والذهب.

🌍 ENGLISH VERSION

Map of Russian Influence in the African Sahel: The Rise of the 'Africa Corps' and the Decline of Western Hegemony

An investigative analysis of the geopolitical shifts in the Sahel region, where former Western allies are replacing their security cooperation with Paris and Washington with military partnerships with Moscow via the 'Africa Corps'.

The Transition from Wagner to the Africa Corps

Following the mysterious death of Yevgeny Prigozhin in August 2023, the Russian Ministry of Defense began a systematic process of absorbing the Wagner Group's assets into a more formal structure known as the Africa Corps. This transition, overseen by Deputy Defense Minister Yunus-bek Yevkurov, represents a shift from a semi-autonomous mercenary model to direct state-controlled military diplomacy. The Africa Corps aims to deploy up to 40,000 personnel across the continent to secure Russian interests and provide regime protection for military juntas.

Mali and the Collapse of Western Alliances

In Mali, the transition has been most dramatic. Since the 2020 and 2021 coups led by Colonel Assimi Goïta, Bamako has expelled French forces participating in Operation Barkhane. By November 2023, Malian forces, supported by Russian instructors, successfully seized the strategic town of Kidal, a feat that French forces hadn't achieved in a decade. This victory solidified the domestic legitimacy of the military government while marking a definitive break from the 2015 Algiers Peace Accord.

The Domino Effect: Burkina Faso and Niger

The geopolitical shift expanded rapidly to Burkina Faso and Niger. In Burkina Faso, Captain Ibrahim Traoré has welcomed Russian military equipment and personnel to combat the growing jihadi insurgency. More significantly, in Niger, the July 2023 coup led by General Abdourahamane Tchiani resulted in the expulsion of 1,500 French troops and the termination of a security pact with the United States. This move forced the US to begin withdrawing from its $110 million drone base (Base 201) in Agadez, leaving a strategic vacuum that Moscow is eager to fill.

Economic Underpinnings: Resource for Security

The Russian model in the Sahel operates on a 'security-for-resources' basis. In exchange for protecting military leaders and providing tactical support, Russian-linked entities gain access to lucrative mining sectors. This includes gold mines in Mali and potential uranium interests in Niger. This economic strategy allows the Russian state to bypass international sanctions and fund its operations abroad while diminishing the economic leverage previously held by European nations and the World Bank.

📊
هل تعتقد أن النفوذ الروسي في منطقة الساحل سيوفر استقراراً أمنياً أكبر للدول الأفريقية مقارنة بالوجود الغربي السابق؟

المصدر: عالم محير٨٣abuomer83.com

إرسال تعليق

0 تعليقات