نتنياهو بين سندان «كابلان» ومطرقة «حزب الله»: هل اقتربت لحظة الانفجار الكبير في إسرائيل؟
بينما تشتعل شوارع تل أبيب بهتافات «الانتخابات الآن»، يواجه الجيش الإسرائيلي معضلة تآكل القدرات الدفاعية في الشمال تحت وطأة ضربات حزب الله المتصاعدة، في مشهد يضع مستقبل نتنياهو السياسي على المحك.
خلفية الحدث: انفجار الشارع والمطالب الوجودية
عادت شوارع إسرائيل، وتحديداً تقاطع «كابلان» في تل أبيب، لتتحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين المجتمع المدني وحكومة بنيامين نتنياهو. مساء السبت الماضي، لم تكن مجرد جولة احتجاجية عادية؛ بل كانت تعبيراً عن غضب تراكم على مدار أكثر من 340 يوماً منذ أحداث السابع من أكتوبر. المتظاهرون الذين قدر عددهم بعشرات الآلاف، رفعوا شعارات تتهم نتنياهو بالتضحية بالأسرى من أجل البقاء السياسي. هذا التحرك الشعبي تقوده «هيئة عائلات المخطوفين» التي باتت ترى في المماطلة الحكومية حكماً بالإعدام على من تبقى من الـ 101 أسير في قطاع غزة.
تاريخياً، ارتبطت هذه الاحتجاجات بحركة «إخوة في السلاح» وقوى المعارضة التي يقودها يائير لابيد وبيني غانتس، لكن الزخم الجديد يكتسب صبغة أمنية. لم يعد الحديث مقتصرًا على «الديمقراطية»، بل انتقل إلى «الفشل الأمني الاستراتيجي». الأرقام تشير إلى أن أكثر من 65% من الإسرائيليين يؤيدون إجراء انتخابات مبكرة أو التوصل لصفقة فورية، وفقاً لاستطلاعات الرأي الأخيرة التي أجرتها القناة 12 العبرية. هذا الضغط الشعبي يضع الحكومة في مأزق، خاصة مع تزايد حالات العصيان المدني الرمزي وإغلاق الطرق الرئيسية (أيالون).
السياق الزمني لهذه الاحتجاجات يتزامن مع تصاعد القلق من «جبهة الشمال». يرى المحتجون أن نتنياهو يهرب من استحقاقات الفشل في غزة عبر التصعيد اللفظي ضد حزب الله، دون وجود خطة حقيقية لإعادة 60 ألف نازح إسرائيلي إلى منازلهم في الجليل. هذا التداخل بين الفشل في استعادة الأسرى والعجز عن حسم الجبهة الشمالية خلق حالة من فقدان الثقة المطلق بين الجمهور والمستوى السياسي، مما جعل شعار «إسقاط الحكومة» مطلباً أمنياً وليس سياسياً فحسب.
أبعاد الأزمة: تآكل الردع تحت ضربات الشمال
في العمق الاستراتيجي، لم تعد التحذيرات تأتي من المعارضة فقط، بل من داخل المؤسسة العسكرية ذاتها. تقارير مسربة من هيئة الأركان، ونقاشات في «الكنيست»، تشير بوضوح إلى «تآكل خطير» في قدرات الجيش الإسرائيلي. حزب الله، ومنذ دخوله المعركة في 8 أكتوبر، اعتمد استراتيجية «الاستنزاف الذكي». باستخدام مسيرات انقضاضية وصواريخ «بركان» و«ألماس»، تمكن الحزب من تعطيل منظومات المراقبة والإنذار المبكر على طول الخط الأزرق. هذا الضغط العسكري المستمر أدى إلى إنهاك سلاح الجو ووحدات النخبة التي تعمل دون توقف منذ أشهر طويلة.
الأرقام الصادرة عن مراكز الأبحاث الإسرائيلية مثل «علما» تؤكد أن حزب الله ضاعف من استخدام المسيرات بنسبة 400% خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وهي سلاح يواجه «القبة الحديدية» صعوبة في اعتراضه بسبب مساراته المنخفضة. هذا التطور العسكري وضع الجيش في وضعية الدفاع السلبي، مما أدى إلى تآكل «هيبة الردع» التي بنيت على مدار عقود. الجنرالات المتقاعدون، مثل إسحاق بريك، يحذرون علانية من أن الدخول في حرب شاملة مع لبنان في ظل إنهاك القوات في غزة قد يؤدي إلى كارثة استراتيجية تهدد وجود الدولة.
علاوة على ذلك، فإن البعد النفسي لهذه الضربات لا يقل أهمية. تحول الشمال الإسرائيلي إلى «منطقة أشباح»، وهو ما يمثل نجاحاً استراتيجياً لحزب الله دون الحاجة لاجتياح بري. فقدان السيطرة على الأرض وتهجير المستوطنين خلق ضغطاً داخلياً غير مسبوق، حيث يشعر سكان الشمال بأن الحكومة تخلت عنهم. هذا التآكل في القدرات العسكرية والتماسك الاجتماعي هو ما يغذي الاحتجاجات في تل أبيب، حيث يرى المتظاهرون أن جيشهم يستنزف في حروب بلا أهداف سياسية واضحة.
تداعيات الموقف: اقتصاد منهك ومجتمع مشتت
تتجاوز آثار هذه الأزمة الحدود العسكرية لتضرب في قلب الاقتصاد والمجتمع الإسرائيلي. الاقتصاد الإسرائيلي، الذي كان يوصف يوماً بأنه «معجزة تقنية»، يواجه الآن واقعاً مراً. كلفة الحرب تجاوزت 250 مليار شيكل، مع انخفاض حاد في التصنيف الائتماني من قبل وكالات عالمية مثل «موديز» و«ستاندرد آند بورز». قطاع البناء مشلول بسبب غياب العمالة الفلسطينية، وقطاع التكنولوجيا يعاني من نزيف الاستثمارات الأجنبية وهجرة العقول، حيث تشير بيانات مصلحة الضرائب إلى زيادة في عدد الإسرائيليين الذين نقلوا استثماراتهم للخارج.
اجتماعياً، تعمق الشرخ بين معسكري «اليمين المتطرف» الذي يمثله بن غفير وسموتريتش، وبين «الوسط واليسار الصهيوني». هذا الانقسام لم يعد مجرد نقاش سياسي، بل تحول إلى مواجهات جسدية في الشوارع بين المتظاهرين والشرطة، وأحياناً بين المتظاهرين ومؤيدي الحكومة. الشرطة الإسرائيلية، تحت قيادة بن غفير، تواجه اتهامات باستخدام عنف مفرط وقنابل صوتية ضد عائلات الأسرى، مما يزيد من اشتعال الموقف ويحول الاحتجاجات إلى انتفاضة اجتماعية ضد «الديكتاتورية الناشئة».
أما على الصعيد العسكري، فإن نظام «الاحتياط» يواجه خطر الانهيار. الجنود الذين خدموا أكثر من 200 يوم في السنة الأخيرة يعانون من ضغوط نفسية ومالية هائلة، وبدأت تظهر بوادر «تمرد صامت» من خلال رفض الخدمة أو التملص منها. هذا التآكل في القوة البشرية هو أخطر ما يواجه إسرائيل، لأن تفوقها العسكري يعتمد تاريخياً على جودة ومطواعية قوات الاحتياط. إذا استمرت حالة اللا سلم واللا حرب في الشمال، فإن الجيش قد يجد نفسه عاجزاً عن خوض مواجهة كبرى إذا ما قرر حزب الله أو إيران توسيع دائرة الصراع.
الأطراف المعنية: صراع الإرادات في قمة الهرم
المشهد الإسرائيلي الحالي هو ساحة لصراع إرادات بين أطراف متعددة لكل منها حساباته الخاصة. في المركز يقف بنيامين نتنياهو، الذي تتركز استراتيجيته حول «البقاء السياسي». بالنسبة لنتنياهو، انتهاء الحرب يعني بدء التحقيقات الرسمية في إخفاقات 7 أكتوبر، واستئناف محاكمته بتهم الفساد، وربما انهيار ائتلافه الحكومي. لذا، فهو يوازن بحذر بين الضغط العسكري في غزة، والمناوشات المحسوبة في الشمال، وتجنب الصدام الشامل الذي قد ينهي حكمه.
على الجانب الآخر، تبرز المؤسسة الأمنية (الجيش، الشاباك، الموساد) كطرف يحاول فرض واقعية سياسية. قادة الأجهزة الأمنية يضغطون من أجل صفقة تبادل تمنح الجيش «نفساً» لإعادة التنظيم والتركيز على التهديد الوجودي في الشمال. رونين بار (رئيس الشاباك) وهرتسي هليفي (رئيس الأركان) يدركان أن استمرار الحرب في غزة دون أهداف سياسية هو استنزاف لموارد الدولة الاستراتيجية. هذا التباين بين المستوى السياسي والعسكري وصل إلى حد الصدام العلني في اجتماعات الكابينت، حيث يتم تبادل الاتهامات بالتسريب والفشل.
الطرف الثالث والمؤثر هو «اليمين المسيحاني» المتمثل في بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير. هؤلاء لا يهمهم الأسرى بقدر ما يهمهم «إعادة الاستيطان في غزة» و«حسم الصراع في الضفة الغربية». هم يبتزون نتنياهو بالانسحاب من الحكومة إذا توقفت الحرب، مما يجعل رئيس الوزراء رهينة لأجندتهم المتطرفة. وأخيراً، هناك «الشارع الإسرائيلي» الذي لم يعد كتلة واحدة؛ بل انقسم إلى عائلات أسرى مكلومة، وسكان شمال مهجرين، ومستوطنين في الضفة يطالبون بالتصعيد، مما يجعل من الصعب الوصول إلى إجماع وطني حول أي مسار سياسي مستقبلي.
الموقف والتحليل: مقامرة نتنياهو الأخيرة
بالتحليل العميق للمشهد، يمكن القول إن إسرائيل تعيش حالة «شلل استراتيجي». الرأي الجريء الذي يفرضه الواقع هو أن نتنياهو قد حول أمن إسرائيل القومي إلى ورقة في لعبة قمار سياسية شخصية. الانفصال بين ما تحتاجه الدولة (هدوء، صفقة أسرى، استعادة الردع في الشمال) وما يحتاجه نتنياهو (استمرار الحرب، إرضاء اليمين المتطرف) وصل إلى نقطة اللا عودة. حزب الله يدرك هذه الفجوة جيداً، وهو يستغل «التآكل الداخلي» في إسرائيل لفرض معادلات جديدة لم يكن يحلم بها قبل سنوات.
الحقيقة المرة التي يواجهها المجتمع الإسرائيلي هي أن «النصر المطلق» الذي يعد به نتنياهو هو وهم تسويقي. الجيش الإسرائيلي، رغم قوته التكنولوجية، غير مصمم لحروب استنزاف طويلة الأمد على جبهات متعددة. تآكل قدرات الجيش أمام ضربات حزب الله ليس مجرد فشل تكتيكي، بل هو نتيجة لغياب «الرؤية السياسية». إن الإصرار على فصل جبهة الشمال عن جبهة غزة هو خطأ استراتيجي، فحزب الله ربط مصير الجليل بمصير رفح، ونتنياهو برفضه الصفقة، يمنح نصر الله الذريعة لمواصلة تدمير الشمال الإسرائيلي ببطء.
في الختام، إن الاحتجاجات في تل أبيب ليست مجرد مظاهرات سياسية، بل هي صرخة استغاثة من مجتمع يشعر بأن «العقد الاجتماعي» بينه وبين الدولة قد انفرط. إذا استمر تآكل قدرات الجيش وتصاعدت ضربات حزب الله، فإن الانفجار القادم لن يكون في الشوارع فقط، بل قد يمتد ليشمل بنية الدولة العبرية نفسها. نتنياهو يلعب بالنار، والوقود هو دماء الأسرى وهيبة الجيش واقتصاد الدولة. السؤال لم يعد «هل سيسقط نتنياهو؟»، بل «ماذا سيتبقى من إسرائيل عندما يسقط؟».
Netanyahu Between the Anvil of 'Kaplan' and the Hammer of 'Hezbollah': Is the Moment of Total Collapse Imminent?
As Tel Aviv's streets erupt with chants for 'Elections Now,' the Israeli military faces a strategic erosion in the north under the weight of Hezbollah's escalating strikes, placing Netanyahu's political future in unprecedented jeopardy.
Context of the Escalation
The Israeli domestic front is currently experiencing its most volatile period since the judicial reform protests of 2023. Massive demonstrations have resumed in Tel Aviv, specifically on Kaplan Street, where tens of thousands demand a hostage deal and the immediate resignation of Benjamin Netanyahu's government. These protests are no longer just about democratic values; they are driven by a deep sense of betrayal among the families of the 101 hostages still held in Gaza, coupled with a growing fear of a multi-front war that Israel might not be prepared to sustain.
The Strategic Crisis in the North
Parallel to the domestic unrest, the northern border with Lebanon has become a theater of systematic attrition. Hezbollah has shifted its tactics, employing high-precision kamikaze drones and anti-tank missiles that have managed to bypass the Iron Dome on several occasions. Military analysts and former generals are now openly warning that the Israeli Defense Forces (IDF) are suffering from significant fatigue. The continuous deployment of reserve forces for over 11 months has led to 'capability erosion,' affecting both morale and the operational readiness of key units.
The Economic and Social Toll
The dual pressure of internal protests and external military engagement has hit the Israeli economy hard. With over 60,000 citizens displaced from northern settlements for nearly a year, the social fabric is tearing. Economic reports indicate a sharp decline in the construction and tech sectors, while the cost of maintaining the war effort exceeds billions of shekels. Protesters argue that Netanyahu is prolonging the conflict to avoid his ongoing corruption trials and to keep his far-right coalition partners, like Ben-Gvir and Smotrich, satisfied.
Key Players and Political Maneuvers
The political landscape is divided between three main blocs: the 'Survivalist' camp led by Netanyahu, the 'Security' camp represented by Benny Gantz and Yair Lapid who demand a strategic exit, and the 'Radical' camp that pushes for total war and resettlement in Gaza. Meanwhile, the security establishment, including the Shin Bet and Mossad, is reportedly frustrated by the political stalling that prevents a hostage deal, which they see as a prerequisite for calming the northern front and preventing a regional conflagration.
Analysis and Strategic Outlook
Our analysis suggests that Israel is trapped in a strategic deadlock. Netanyahu's refusal to define a 'day after' plan for Gaza or to link the northern front's stability with a ceasefire is a calculated risk that prioritizes political longevity over national security. The erosion of the IDF's deterrence factor against Hezbollah is perhaps the most dangerous consequence of this policy. If the domestic protests reach a tipping point where the security apparatus can no longer ignore the public's demands, Netanyahu might be forced into a decision that could either lead to a broader war to unify the ranks or a total political collapse.
المصدر: عالم محير٨٣ — abuomer83.com
0 تعليقات