صرخة 'تأسيس' في وجه المجتمع الدولي: هل تحول سلام السودان إلى مجرد مسرحية للعلاقات العامة؟

📌 منوعات

صرخة 'تأسيس' في وجه المجتمع الدولي: هل تحول سلام السودان إلى مجرد مسرحية للعلاقات العامة؟

📅 ٦ يونيو ٢٠٢٦ #السودان #تحالف تأسيس #أزمة السودان #السلام في السودان

بينما تتسابق القوى الدولية في جنيف والقاهرة والمنامة لإيجاد مخرج للأزمة السودانية، يخرج 'تحالف تأسيس' ليقلب الطاولة، معتبراً أي جهد يتجاوزه مجرد استعراض إعلامي، مما يضع مصداقية الوساطات الدولية على المحك في ظل صراع وجودي يمزق البلاد منذ أبريل ٢٠٢٣.

إعلان

خلفية الحدث: جذور الصراع وتعدد المسارات

منذ اندلاع شرارة الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، لم يتوقف النزيف السوداني عند حدود المواجهة العسكرية، بل امتد ليشمل حرباً موازية في ميادين الشرعية والتمثيل السياسي. في هذا السياق، برز "تحالف تأسيس" (التحالف الوطني لتأسيس الدولة السودانية) ككتلة سياسية تضم قوى مهنية، وقادة رأي، ومجموعات ضغط تتبنى خطاباً يركز على سيادة الدولة ودعم مؤسساتها القومية.

تأتي تصريحات التحالف الأخيرة في وقت يشهد فيه الملف السوداني حراكاً دولياً مكثفاً، بدءاً من مفاوضات جدة، وصولاً إلى محادثات جنيف واللقاءات التشاورية في القاهرة. يرى "تأسيس" أن هذه المسارات تعاني من خلل هيكلي في التمثيل، حيث يتم اختزال الشارع السوداني في قوى مدنية محددة (مثل تنسيقية "تقدم")، بينما يتم تهميش القوى التي تمتلك امتدادات داخل مؤسسات الدولة أو التي لم تغادر البلاد منذ نشوب الحرب. هذا التهميش، بحسب التحالف، هو ما جعل المبادرات السابقة تراوح مكانها دون تحقيق اختراق حقيقي على الأرض.

الأرقام الرسمية تشير إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة؛ إذ سجلت الأمم المتحدة نزوح أكثر من 10 ملايين سوداني، منهم نحو 2.2 مليون لجأوا إلى دول الجوار. وفي ظل هذا المشهد القاتم، يرى تحالف تأسيس أن الحديث عن السلام دون معالجة قضية "من يمثل الدولة" هو قفز فوق الحقائق، محذراً من أن استمرار التجاهل سيؤدي بالضرورة إلى فشل أي اتفاق يتم التوصل إليه، تماماً كما فشلت اتفاقيات سابقة لم تجد طريقها للتنفيذ بسبب غياب الحاضنة السياسية والاجتماعية المتوافقة عليها.

أبعاد الأزمة: بين الشرعية السياسية والواقع العسكري

تتجاوز أبعاد تصريح تحالف تأسيس مجرد الرغبة في المحاصصة السياسية؛ فهي تعبر عن صراع عميق حول تعريف "الشرعية" في السودان ما بعد الحرب. التحالف يرفض المساواة بين القوات المسلحة كـ "مؤسسة شرعية" وبين قوات الدعم السريع كـ "ميليشيا متمردة"، ويرى أن أي عملية سلام تضع الطرفين على قدم المساواة في التمثيل السياسي هي عملية مشوهة. بالنسبة لـ "تأسيس"، فإن السلام الحقيقي يبدأ من الاعتراف بسلطة الدولة وبسط سيادتها، وليس عبر تقاسم السلطة بين الجنرالات.

البعد الآخر للأزمة هو البعد الدولي؛ حيث يشعر التحالف أن هناك ضغوطاً خارجية، تحديداً من الولايات المتحدة وبريطانيا، لفرض تسوية تخدم مصالح إقليمية ودولية أكثر مما تخدم تطلعات السودانيين في دولة مدنية ديمقراطية مستقرة. تصريح "العلاقات العامة" هو اتهام مباشر للوسطاء الدوليين بأنهم يهتمون بـ "الصورة والبروتوكول" وتصوير المصافحات أكثر من اهتمامهم بتفكيك بنية الأزمة وحماية حقوق الضحايا، وهو ما يعكس فجوة الثقة المتزايدة بين المكونات الوطنية السودانية والمنظومة الدولية.

كما يبرز البعد الداخلي المتمثل في انقسام القوى المدنية؛ فبينما تسعى تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم) برئاسة عبد الله حمدوك لتمثيل الصوت المدني في الخارج، يحاول تحالف "تأسيس" والقوى المتحالفة معه تثبيت أقدامهم كصوت مدني داخلي لا يمكن تجاوزه. هذا الانقسام يمنح الأطراف العسكرية ذريعة للمماطلة، بحجة عدم وجود جبهة مدنية موحدة يمكن التفاوض معها، مما يطيل أمد المعاناة الإنسانية في ولايات مثل الخرطوم، والجزيرة، ودارفور التي تواجه خطر المجاعة الوشيك في مخيم زمزم وغيره.

التداعيات: سيناريوهات الفشل والانسداد السياسي

إعلان

إن تجاهل تحذيرات تحالف "تأسيس" والقوى المشابهة له قد يؤدي إلى سيناريوهات كارثية. أولاً، قد يؤدي ذلك إلى نشوء "جيوب مقاومة سياسية" تعطل أي اتفاق سلام، حيث سيعتبره قطاع واسع من السودانيين اتفاقاً مفروضاً من الخارج لا يعبر عنهم. هذا التنازع على الشرعية قد يحول السودان إلى "نموذج ليبي" آخر، بوجود حكومتين أو أكثر، وجيوش متعددة الولاءات، مما يقضي نهائياً على حلم الدولة الموحدة.

ثانياً، على الصعيد الإنساني، فإن استمرار الصراع السياسي حول طاولات المفاوضات يعيق وصول المساعدات. الإحصائيات تشير إلى أن 25.6 مليون شخص (أكثر من نصف سكان السودان) يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد. عندما تصبح عملية السلام مجرد "علاقات عامة"، يتراجع الاهتمام بالمسارات الإنسانية لصالح المكاسب السياسية، مما يعني مزيداً من الوفيات بسبب الجوع والمرض، خاصة في المناطق المحاصرة التي تفتقر لأبسط المقومات الطبية.

ثالثاً، قد يؤدي هذا الانسداد إلى راديكالية المواقف؛ فعدم شعور القوى الوطنية بالتمثيل قد يدفعها للتحالف بشكل أوثق مع الخيارات العسكرية الصفرية، مما يغلق الباب أمام الحلول التفاوضية تماماً. إذا استمر المجتمع الدولي في النظر إلى الأزمة السودانية من منظور تبسيطي يختزلها في شخصين أو تحالفين، فإنه يغامر بخسارة كافة الأطراف الفاعلة على الأرض، مما يترك الساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية التي تقتات على الفوضى.

الأطراف المعنية: خارطة القوى المتصارعة والمؤثرة

تتشابك الأطراف في المشهد السوداني لترسم صورة معقدة من المصالح المتضاربة. في القلب من هذه الأطراف، نجد القوات المسلحة السودانية التي تصر على أنها حامية الدولة، وقوات الدعم السريع التي تطرح نفسها كبديل للنظام القديم. وبين هذا وذاك، يبرز تحالف "تأسيس" كلاعب يسعى لانتزاع اعتراف دولي بموقفه الداعم للشرعية المؤسسية، معتبراً نفسه جسراً بين التطلعات المدنية وبين ضرورة الحفاظ على هيكل الدولة.

على الجانب الآخر، تبرز تنسيقية "تقدم" كطرف دولي مفضل للعديد من العواصم الغربية، وهو ما يثير حفيظة "تأسيس". كما لا يمكن إغفال دور القوى الإقليمية؛ مصر التي تستضيف حوارات القوى السياسية وتسعى لاستقرار الجار الجنوبي، والسعودية التي ترعى منبر جدة، والإمارات المتهمة من جانب الحكومة السودانية بدعم الطرف الآخر، مما يجعل المشهد السوداني ساحة لتصفية حسابات إقليمية كبرى.

دولياً، يبرز دور المبعوث الأمريكي الخاص للسودان، توم بيرييلو، الذي يحاول دفع عجلة المفاوضات، لكنه يواجه انتقادات حادة من قوى داخلية سودانية تتهمه بالانحياز أو بجهل تعقيدات الواقع المحلي. هذه الأطراف جميعاً، سواء كانت محلية أو دولية، مطالبة اليوم بإعادة تقييم استراتيجياتها؛ فالاستمرار في نهج "الإقصاء المتبادل" لن ينتج عنه سوى مزيد من الدمار لبلد يمتلك موارد هائلة لكنه يفتقر إلى الإرادة السياسية الموحدة لاستغلالها.

الموقف والتحليل: رأي "عالم محير٨٣" في معضلة السلام

بصفتنا في موقع "عالم محير٨٣"، نرى أن وصف تحالف "تأسيس" لعملية السلام بأنها "علاقات عامة" ليس مجرد صرخة احتجاج، بل هو تشخيص دقيق لخلل بنيوي في طريقة تعاطي المجتمع الدولي مع الأزمة السودانية. إن الحلول التي تُطبخ في الغرف المغلقة بعيداً عن أصحاب المصلحة الحقيقيين والفاعلين على الأرض هي حلول "هشة" و"تجميلية"، تهدف لإبراء ذمة القوى الدولية أكثر مما تهدف لإنهاء معاناة السودانيين.

بصراحة وجرأة، نقول إن تعدد التحالفات (تأسيس، تقدم، الكتلة الديمقراطية، إلخ) يعكس حالة من "الانتهازية السياسية" التي تتاجر بدماء السودانيين. وبينما يتمسك كل تحالف بحقه في التمثيل، يموت طفل سوداني كل ساعتين في مخيمات النزوح. إن "تحالف تأسيس" محق في قوله إن تجاهله لن يفضي لتسوية، لكنه مطالب أيضاً بتقديم رؤية تتجاوز الاصطفاف خلف البندقية، وتقديم تنازلات مؤلمة من أجل الوطن، لا من أجل مقاعد في حكومة انتقالية قادمة قد لا تجد شعباً تحكمه.

الخلاصة هي أن السودان لا يحتاج لمزيد من مهارات "العلاقات العامة" ولا لبيانات شجب دولية، بل يحتاج لعملية سياسية شاملة وجذرية تعترف بالواقع العسكري والسياسي كما هو، لا كما يتمناه الوسطاء. إن الاستمرار في إنتاج صفقات فوقية هو وصفة مؤكدة لاستدامة الحرب، وما لم يتم دمج كافة القوى الفاعلة، بما فيها "تأسيس"، في حوار وطني شفاف يضع مصلحة الدولة فوق مصلحة المحاور، فإن السلام سيظل مجرد سراب في صحراء السودان النازفة.

🌍 ENGLISH VERSION

The Taasis Alliance's Outcry: Is Sudan's Peace Process Turning into a PR Stunt?

As international powers race in Geneva, Cairo, and Manama to find a solution to the Sudanese crisis, the 'Taasis Alliance' emerges to challenge the status quo, labeling any efforts that exclude them as mere media stunts. This puts international mediation credibility at stake amidst an existential conflict that has torn the country apart since April 2023.

Background of the Event

The Sudanese conflict, which erupted on April 15, 2023, between the Sudanese Armed Forces (SAF) and the Rapid Support Forces (RSF), has evolved from a military skirmish into a complex political deadlock. The 'Taasis Alliance' (National Alliance for Founding the Sudanese State) emerged as a significant political bloc, positioning itself as a guardian of national sovereignty and the legitimacy of state institutions. Their recent statement comes after several rounds of international talks where they felt marginalized in favor of other civilian coalitions like 'Taqaddum'.

Historically, Sudanese politics has been characterized by sharp polarizations. Since the 2021 coup and the subsequent 2023 war, the international community has struggled to identify a representative civilian partner that holds sway over both the military leadership and the grassroots population. Taasis claims to fill this void, representing professional unions, tribal leaders, and political factions that align more closely with the state's traditional structures compared to the more liberal-leaning coalitions often courted by Western mediators.

The Dimensions of the Crisis

The statement by the Taasis Alliance carries deep political dimensions. By labeling peace initiatives as 'public relations,' they are attacking the core of international diplomacy. This reflects a deep-seated mistrust in the 'Geneva' and 'Jeddah' processes, which Taasis views as platforms that equate the sovereign national army with a 'rebel militia' (RSF). They argue that any peace process must start with the recognition of state institutions rather than a power-sharing agreement between two warring generals.

Furthermore, the dimensions extend to the humanitarian catastrophe. With over 10 million people displaced and nearly 25 million in need of urgent aid, the political 'jostling' for a seat at the table slows down the corridors of relief. Taasis leverages this by suggesting that a peace deal without 'on-the-ground' actors is unenforceable, essentially threatening that any agreement made without them will lack the local legitimacy required to stop the fighting in hotspots like Khartoum, Darfur, and El Gezira.

Potential Consequences

The immediate consequence of this stance is the potential for further fragmentation of the civilian front. If mediators continue to exclude groups like Taasis, the resulting agreements might be viewed as 'foreign impositions,' leading to their rejection by the SAF leadership who often rely on these conservative and nationalist blocs for political cover. This could lead to a 'Libyan scenario' in Sudan, where multiple governments and alliances claim legitimacy, resulting in a frozen but permanent conflict.

On a more dangerous level, dismissing these warnings could lead to an escalation of domestic rhetoric against international organizations. If Taasis succeeds in framing the peace process as a 'conspiracy' or mere 'PR,' it could jeopardize the safety of aid workers and diplomatic missions. The exclusion of significant stakeholders creates 'spoilers' who have more to gain from the continuation of war than from a peace that diminishes their influence.

Key Stakeholders Involved

The primary actors in this unfolding drama include the Sudanese Armed Forces led by Abdel Fattah al-Burhan, who maintains a complex relationship with alliances like Taasis. On the other side is the RSF, led by Mohamed Hamdan Dagalo (Hemedti), who seeks civilian allies to legitimize his military gains. Then there is the 'Taqaddum' coalition, led by former PM Abdalla Hamdok, which currently enjoys the lion's share of international recognition but faces accusations from Taasis of being disconnected from the internal Sudanese reality.

Internationally, the United States, Saudi Arabia, and the African Union are the 'Big Three' trying to coordinate a ceasefire. However, their focus on a 'quick fix' often leads to the exclusion of complex local alliances. The Taasis Alliance, by making this bold claim, is directly challenging the US Special Envoy for Sudan, Tom Perriello, and the UN's efforts, demanding a seat at the table not as an observer, but as a foundational partner in the post-war reconstruction.

Position and Analysis

From a critical perspective at 'Confusing World 83', the Taasis Alliance's statement is a double-edged sword. While it is true that excluding active political blocs leads to fragile peace deals, their rhetoric also smells of political opportunism. By calling peace efforts 'PR,' they are effectively holding the peace process hostage to their inclusion. This highlights the 'multiplicity of legitimacy' crisis in Sudan: who truly represents the people? Is it the groups with the most international support, or those with the closest ties to the military-industrial complex?

In conclusion, the 'PR' label is a harsh but necessary reality check for the international community. Diplomacy without inclusivity is indeed a performance. However, for Taasis to be taken seriously, they must move beyond reactionary statements and present a viable, democratic roadmap that doesn't just mirror the military's objectives. Sudan does not need more 'alliances' that act as political wings for generals; it needs a unified civilian front that prioritizes the lives of 45 million Sudanese over political positioning. The failure to bridge the gap between Taasis and Taqaddum is perhaps the greatest threat to Sudan's survival as a unified state.

📊
هل تؤيد رأي تحالف 'تأسيس' بأن مفاوضات السلام الحالية مجرد 'علاقات عامة'؟

المصدر: عالم محير٨٣abuomer83.com

إرسال تعليق

0 تعليقات