فوضى 'ترامب' العابرة للقارات: كيف تحولت صفقات القرن إلى ألغام جيوسياسية موقوتة؟
بين وعود السلام الاستعراضية وواقع الانهيارات الدبلوماسية، يحلل هذا التقرير كيف أدت سياسات ترامب إلى تفكيك النظام العالمي، محولاً الهدنات الهشة إلى فتيل لصراعات لا تنتهي في أوكرانيا والشرق الأوسط.
خلفية الحدث: من المؤسساتية إلى الصفقات الفردية
في الفترة ما بين عامي 2017 و2021، شهد العالم تحولاً جذرياً في فلسفة القوة العظمى الوحيدة؛ حيث انتقلت الولايات المتحدة من دور 'الشرطي العالمي' الملتزم بالاتفاقيات متعددة الأطراف إلى نهج 'أمريكا أولاً' القائم على الصفقات الثنائية العابرة. بدأت هذه الرحلة بالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ في يونيو 2017، ثم التخلي عن الاتفاق النووي الإيراني (JCPOA) في مايو 2018، وهو ما اعتبره المحللون في صحيفة 'الغارديان' البريطانية والعديد من مراكز الأبحاث الدولية، حجر الأساس في زعزعة الاستقرار العالمي الذي نعيشه اليوم.
لم يكن فشل ترامب في الحفاظ على وقف إطلاق النار مجرد عجز تقني، بل كان نتاجاً لرؤية ترى في الالتزامات الدولية 'قيوداً' لا بد من كسرها. اعتمدت إدارة ترامب على الكاريزما الشخصية والضغط الاقتصادي بدلاً من القنوات الدبلوماسية التقليدية. على سبيل المثال، وصل الدين الوطني الأمريكي في عهده إلى 27 تريليون دولار، بينما كانت سياسته التجارية تفرض رسوماً جمركية على الصين بقيمة 360 مليار دولار، مما خلق حالة من الاستقطاب الاقتصادي العالمي أضعفت قدرة المجتمع الدولي على التحرك الجماعي لمواجهة الأزمات الناشئة في أوروبا والشرق الأوسط.
أبعاده: هندسة الانهيار في الشرق الأوسط وأوكرانيا
تتجلى أبعاد هذا الفشل في الساحة الأوكرانية والشرق الأوسط بشكل صارخ. في أوكرانيا، تسبب تجميد المساعدات العسكرية في عام 2019 (الذي أدى لاحقاً إلى محاكمة ترامب برلمانياً) في إرسال إشارات متضاربة للكرملين حول مدى التزام واشنطن بحماية سيادة كييف. ورغم تقديم صواريخ 'جافلين' لأول مرة، إلا أن الخطاب السياسي الذي شكك في جدوى حلف الناتو أضعف مبدأ الردع الجماعي، مما مهد الطريق، حسب مراقبين، لجرأة بوتين اللاحقة في فبراير 2022.
أما في الشرق الأوسط، فقد تم تسويق 'اتفاقيات أبراهام' في سبتمبر 2020 كفجر جديد للسلام، لكنها في الواقع تجاوزت القضية الفلسطينية بشكل كامل، محاولةً القفز فوق الحقائق التاريخية لصالح تعاون أمني وتكنولوجي. هذا 'التجاهل المتعمد' للملفات الساخنة خلق ضغطاً تحت السطح انفجر لاحقاً في أحداث أكتوبر 2023. الأرقام تشير إلى أن الاستثمارات في هذه الاتفاقيات تجاوزت مليارات الدولارات، لكنها لم تخصص دولاراً واحداً لبناء آلية مستدامة لمنع النزاعات المسلحة، مما يثبت أن 'سلام الصفقات' هش أمام 'صراعات الوجود'.
التداعيات: بريطانيا العظمى في مهب الريح الاقتصادية
لا يمكن فصل الفوضى العالمية عن الواقع الاقتصادي البريطاني بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي (Brexit)، وهو المشروع الذي دعمه ترامب بقوة. تشير بيانات مكتب الإحصاء الوطني البريطاني (ONS) إلى أن النمو الاقتصادي ظل متعثراً، حيث تراوح بين 0.1% و0.6% في أرباع متتالية، بعيداً عن الوعود الوردية بالازدهار السريع. بريطانيا التي كانت تطمح لأن تكون 'بريطانيا العالمية' وجدت نفسها عالقة في فوضى النظام العالمي الجديد، حيث لا هي جزء من الكتلة الأوروبية الصلبة، ولا هي قادرة على تأمين اتفاقية تجارة حرة شاملة مع الولايات المتحدة التي تتبنى سياسات حماية متزايدة.
التداعيات شملت أيضاً ارتفاع معدلات التضخم التي وصلت في بعض الفترات إلى مستويات قياسية (أكثر من 10% في 2022-2023)، متأثرة بانهيار سلاسل الإمداد والاضطرابات الجيوسياسية التي خلفها غياب التنسيق الدولي. هذا الواقع الاقتصادي المرير يعزز فرضية الغارديان بأن 'الفوضى' ليست مجرد مصطلح سياسي، بل هي واقع ملموس يؤثر على جيوب المواطنين في لندن ومانشستر، تماماً كما يؤثر على النازحين في غزة أو كييف.
الأطراف المعنية: صراع الإرادات بين الكرملين والبيت الأبيض
تتوزع الأطراف المعنية في هذا المشهد بين قوى تحاول استعادة النظام (إدارة بايدن-هاريس) وقوى استثمار الفوضى (روسيا والصين). الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يجد نفسه في موقف حرج؛ فرسائله الموجهة لروسيا تعكس رغبة في إنهاء الحرب، لكنها في الوقت نفسه محكومة بالخوف من عودة ترامب في 2024، الذي صرح علانية بقدرته على إنهاء الحرب في 24 ساعة، وهو تصريح يراه الأوكرانيون تهديداً بفرض استسلام وليس تحقيق سلام عادل.
على الجانب الآخر، يراقب بوتين المشهد ببراعة، مستفيداً من الانقسام الداخلي الأمريكي. فبينما قدمت إدارة بايدن أكثر من 175 مليار دولار كمساعدات إجمالية لأوكرانيا، يهدد الجناح 'الترامبي' في الحلف الجمهوري بقطع هذا الشريان. هذا الانقسام بحد ذاته هو أحد أعراض الفوضى التي بدأت بخلخلة الثقة في القيادة الأمريكية للعالم، مما دفع دولاً مثل فرنسا وألمانيا للمطالبة بـ 'استقلال استراتيجي' أوروبي، وهو تحول تاريخي ينهي حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
الموقف والتحليل: السلام لا يُبنى بعقلية المقاولات
الرأي الجريء الذي تفرضه الحقائق هو أن دونالد ترامب لم يفشل في 'الحفاظ' على السلام، لأنه لم يبنِ سلاماً حقيقياً منذ البداية. ما قام به هو 'تسكين' الأزمات مقابل مكاسب انتخابية قصيرة المدى. إن تحويل الدبلوماسية الدولية إلى ساحة للمقايضات العقارية (Transactional Populism) جرد العالم من 'المؤسسات الضامنة'. السلام الحقيقي يتطلب نفساً طويلاً، واحتراماً للمواثيق، وقدرة على التنبؤ، وهي ثلاثة عناصر دمرتها سياسة التغريدات والقرارات الارتجالية.
إن 'الفوضى العالمية الجديدة' التي تحدثت عنها الغارديان هي في الواقع 'فاتورة مؤجلة' لسنوات من تقويض النظام الدولي. الخلاصة التي يجب أن يعيها العالم هي أن القوة دون مسؤولية قانونية، والاتفاقيات دون عدالة شاملة، ليست سوى استراحة محارب في حرب كبرى قادمة. إذا استمرت العقلية الترامبية في توجيه السياسة الدولية -سواء بوجوده أو عبر إرثه- فإننا لا ننتظر نظاماً عالمياً جديداً، بل ننتظر انهياراً شاملاً لما تبقى من حضارة دبلوماسية. التحليل النهائي يؤكد أن استقرار العالم لا يمكن رهنه بمزاج زعيم واحد، بل بمتانة المؤسسات التي تحكم الجميع.
The Trumpian Global Disorder: How the 'Deals of the Century' Became Geopolitical Landmines
Between grandstanding peace promises and the reality of diplomatic collapses, this report analyzes how Trump's policies dismantled the global order, turning fragile ceasefires into triggers for endless conflicts in Ukraine and the Middle East.
Context of the Global Shift
The presidency of Donald Trump (2017-2021) marked a fundamental shift from traditional multilateralism to a transactional 'America First' doctrine. By withdrawing from the JCPOA (Iran Nuclear Deal) in May 2018 and the Paris Climate Agreement, the administration signaled a retreat from international norms. This period created a strategic vacuum that rivals like Russia and China were quick to exploit. The Guardian's analysis suggests that the current global chaos is not an isolated incident but a direct consequence of this systematic dismantling of collective security frameworks.
The Fragility of Transactional Diplomacy
Trump’s approach to peace, exemplified by the Abraham Accords in September 2020, prioritized bilateral deals over comprehensive institutional solutions. While these agreements normalized relations between Israel and several Arab nations, they bypassed the core issues of the Palestinian conflict, which many analysts believe contributed to the eventual explosion of violence in 2023. In Europe, the pressure exerted on NATO allies to increase spending, while questioning the mutual defense clause (Article 5), sowed seeds of distrust that Vladimir Putin interpreted as a green light for territorial revisionism.
Economic Ripples and Brexit
The post-Brexit economic landscape of the United Kingdom serves as a parallel to this global instability. Despite promises of a 'Global Britain,' the UK has struggled with sluggish growth, with the Office for National Statistics (ONS) reporting fluctuations between 0.1% and 0.6% in quarterly GDP. The decoupling from the EU, encouraged by the Trump administration’s rhetoric of economic nationalism, has left the UK navigating a precarious path between a protectionist US and a regulatory-heavy Europe, further complicating global trade dynamics.
The Ukrainian-Russian Impasse
Volodymyr Zelenskyy’s recent communications with the Kremlin and the shadow of Trump’s potential return to power have created a paradox in Eastern Europe. Trump claims he could end the war in 24 hours, yet historical data from his first term shows a pattern of undermining Ukrainian defense (the 2019 military aid freeze) while simultaneously providing Javelin missiles. This inconsistency has forced Kyiv to adopt a dual-track diplomacy, preparing for a future where US support might become conditional or cease entirely.
Critical Analysis: The Volatility Premium
The 'Trump effect' on global peace was never about lasting stability; it was about the 'Volatility Premium.' By keeping allies and enemies alike in a state of constant uncertainty, the administration sought to gain short-term tactical advantages. However, the long-term cost has been the erosion of the 'deterrence' principle. The current global disorder is the invoice for four years of treating international relations as a zero-sum real estate deal. True peace requires institutional endurance, something that transactional populism is fundamentally incapable of providing.
المصدر: عالم محير٨٣ — abuomer83.com
0 تعليقات