تركيا وأردوغان في وثائق إبستين: قراءة تحرٍّ بين النصوص والسياقات
لم تكن الوثائق المرتبطة بقضية رجل الأعمال الأمريكي الراحل جيفري إبستين محصورة في نطاق الفضائح الشخصية وشبكات النفوذ المالي، بل امتدت – وفق ما نُشر من مراسلات – إلى إشارات سياسية وأمنية تمس دولاً بعينها، من بينها تركيا. غير أن التعامل مع هذه الإشارات يقتضي منهجاً تحرياً صارماً: ماذا قيل فعلاً؟ من قاله؟ وفي أي سياق؟ وهل تمثل المراسلات معلومات موثقة أم مجرد تقييمات وانطباعات؟
هذا المقال يحاول تفكيك ما ورد بشأن تركيا والرئيس رجب طيب أردوغان داخل تلك المراسلات، مع الفصل بين الوقائع القابلة للتحقق، والتوصيفات التي تعكس وجهات نظر أصحابها.
أولاً: طبيعة الوثائق… بين المعلومة والرأي
المراسلات المنسوبة إلى إبستين – بحسب ما تم تداوله – لا تبدو تقارير استخباراتية رسمية، بل رسائل إلكترونية وملاحظات شخصية متبادلة بين أفراد ينتمون إلى دوائر قانونية أو تعليمية أو سياسية. وهذا التفصيل جوهري؛ إذ إن مضمون الرسائل يعكس غالباً تقييمات مرسليها، لا حقائق مثبتة بحكم قضائي أو وثائق رسمية.
وعليه، فإن أي قراءة لمحتواها يجب أن تتعامل معها كمصدر يعكس تصورات دوائر معينة عن تركيا، لا بوصفها دليلاً قاطعاً على وقائع سياسية بعينها.
ثانياً: إعادة تشكيل الجيش التركي… قراءة في السياق
تتكرر في المراسلات إشارات إلى أن أردوغان “يعيد ترتيب” المؤسسة العسكرية، مع توصيف عمليات الإبعاد أو الإحلال داخل الجيش بأنها قطيعة مع ضباط كانت لهم علاقات تقليدية مع إسرائيل.
هنا يبرز سؤال تحري أساسي:
هل التغييرات في الجيش التركي حدثت بالفعل؟ نعم، شهدت تركيا بعد عام 2016 حملة إعادة هيكلة واسعة داخل القوات المسلحة. لكن ربط هذه التغييرات حصراً بعلاقات خارجية، كما ورد في بعض الرسائل، يبقى تفسيراً سياسياً لا يمكن الجزم به دون أدلة مستقلة.
فالوقائع المؤكدة تشير إلى أن محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016 كانت نقطة تحول مفصلية في بنية الجيش، وأن الحكومة التركية أعلنت حينها أن الإجراءات جاءت في إطار مكافحة تنظيم يتبع لـ فتح الله غولن، الذي تتهمه أنقرة بالوقوف وراء المحاولة.
ثالثاً: الانقلاب الفاشل عام 2016… والامتداد الخارجي
تحتل محاولة الانقلاب في تركيا عام 2016 موقعاً مهماً في المراسلات. وتشير بعض النصوص إلى تواصل بين محامين مرتبطين بغولن وإبستين، مع حديث عن طلب دعم أو حماية في الولايات المتحدة، حيث كان غولن يقيم في ولاية بنسلفانيا.
التحقق هنا يتطلب التمييز بين أمرين:
1. إقامة غولن في الولايات المتحدة كانت حقيقة معلنة.
2. وجود مراسلات لا يعني بالضرورة وجود تأثير سياسي فعلي أو تدخل رسمي.
فالمراسلات – إن صحت نسبتها – تعكس سعياً قانونياً أو سياسياً في دوائر خاصة، لكنها لا تثبت تبني مؤسسات أمريكية رسمية لأي موقف محدد.
رابعاً: تركيا كـ«هدف ضغط»… بين الادعاء والبرهان
تشير بعض الرسائل إلى استخدام فاعلين غير دوليين في الضغط على تركيا، مع ذكر تنظيم حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) ضمن سياق صراعات إقليمية.
من منظور تحري، لا يكفي ورود اسم جهة ما في رسالة خاصة لإثبات دورها كأداة ضغط منظم. فالعلاقات المعقدة في شمال سوريا، والتداخل بين الفاعلين المحليين والدوليين، سبق أن كانت محل جدل وتحليل في مراكز أبحاث عديدة، بمعزل عن مراسلات إبستين.
بالتالي، فإن الوثائق – في أحسن الأحوال – تعكس قراءة سياسية لصاحب الرسالة، لا خريطة عمليات موثقة.
خامساً: التحول الديني والمؤسسات التعليمية
تتضمن إحدى الرسائل إشارة إلى مسؤول في كلية “روبرت” بإسطنبول، عبّر فيها عن قلقه من تنامي الطابع المحافظ في الحياة العامة التركية.
هنا أيضاً، من المهم التذكير بأن الجدل حول هوية الدولة التركية – بين العلمانية والإسلام المحافظ – ليس جديداً، بل يعود إلى عقود. ما تضيفه المراسلات هو أنها تكشف انزعاج بعض النخب المرتبطة بالمؤسسات التعليمية ذات التوجه الغربي من التحولات السياسية والاجتماعية في عهد أردوغان.
غير أن هذا يبقى رأياً صادراً عن جهة بعينها، لا استنتاجاً بحثياً محايداً.
سادساً: صورة أردوغان في المراسلات… كيف رآه الآخرون؟
تصف بعض الرسائل أردوغان بأنه زعيم يعيد صياغة موازين القوة داخل الدولة، ويتعامل مع الخلافات الإقليمية – خصوصاً مع حكومة بنيامين نتنياهو – باعتبارها صراعاً سياسياً حقيقياً، لا مجرد خطاب داخلي.
هذا التوصيف يتقاطع مع وقائع معروفة بشأن توتر العلاقات التركية–الإسرائيلية خلال مراحل معينة. لكنه، مرة أخرى، يعكس زاوية نظر أصحاب المراسلات، لا وثيقة رسمية تحدد دوافع السياسة التركية.
خلاصة تحرٍّ: ماذا نعرف فعلاً؟
بعد تفكيك المحاور المختلفة، يمكن استخلاص الآتي:
الوثائق تكشف تصورات وانطباعات لدوائر خاصة حول التحولات في تركيا.
لا تقدم دليلاً قاطعاً على تدخلات رسمية أو مخططات موثقة ضد أنقرة.
تؤكد أن تركيا – في نظر بعض النخب الغربية – تحولت إلى فاعل إقليمي يصعب تجاهله.
تعكس أن مرحلة ما بعد 2016 كانت محور اهتمام خارج الحدود التركية.
بعبارة أخرى، أهمية هذه الوثائق لا تكمن في كونها “حكماً نهائياً” على السياسة التركية، بل في أنها تكشف كيف تُقرأ تحولات تركيا في بعض الأوساط الدولية.
كلمة أخيرة
العمل التحري يفرض الحذر من الانجراف وراء العناوين المثيرة. فالمراسلات المرتبطة بإبستين، مهما كانت حساسيتها، تظل وثائق خاصة تعكس وجهات نظر أصحابها. قراءة ما ورد بشأن تركيا وأردوغان ينبغي أن تتم ضمن هذا الإطار: تحليل للسياقات، تدقيق في المصادر، وفصل واضح بين الرأي والمعلومة.
وهكذا، يصبح السؤال الأهم ليس “ماذا قالت الوثائق فقط؟”، بل “كيف نقرأ ما قالت؟” — لأن الفرق بين السرد والتحقيق، هو الفرق بين الانطباع والحقيقة.
