
دييغو غارسيا في مرمى التصعيد.. لماذا تُعد القاعدة الورقة الأثقل لواشنطن في مواجهة طهران؟
عاد اسم جزيرة دييغو غارسيا إلى واجهة التوتر بين واشنطن وطهران، بعد أن لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإمكانية استخدام القاعدة العسكرية الواقعة في قلب المحيط الهندي، إلى جانب مطار فيرفورد البريطاني، في حال انفجرت مواجهة عسكرية مع إيران.
تصريحات ترامب جاءت في سياق تحذير مباشر لطهران من مغبة رفض أي اتفاق محتمل، مشيرًا إلى أن بلاده تمتلك خيارات عسكرية بعيدة المدى قادرة على التعامل مع ما وصفه بـ"نظام شديد الخطورة". لكن ما الذي يجعل دييغو غارسيا تحديدًا بهذه الأهمية؟
قاعدة عسكرية خارج الحسابات التقليدية
تقع القاعدة ضمن أرخبيل تشاغوس في المحيط الهندي، وتُعد من أهم المنشآت العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وبريطانيا. ويصفها خبراء عسكريون بأنها "حاملة طائرات ثابتة"، نظرًا لقدرتها على استضافة القاذفات الإستراتيجية الثقيلة، وتوفير بنية لوجستية واستخباراتية متقدمة تتيح إدارة عمليات بعيدة المدى دون الحاجة للتمركز في قواعد قريبة من مناطق النزاع.
تميز القاعدة لا يقتصر على مدارج الطائرات، بل يمتد إلى منظومات تتبع واتصالات فائقة الحساسية، ومرافق تخزين تسليح إستراتيجي، إضافة إلى دورها في التنسيق بين القوات الجوية والبحرية الأمريكية في نطاق يمتد من المحيط الهندي إلى البحر الأحمر.
وقد لعبت دييغو غارسيا أدوارًا محورية في عمليات عسكرية سابقة، من بينها حرب الخليج، والحرب في أفغانستان، وغزو العراق، ما رسّخ مكانتها كأحد أعمدة الانتشار العسكري الأمريكي خارج الأراضي القارية.
موقع مثالي في حسابات الصراع مع إيران
أهمية القاعدة تتضاعف في سياق أي مواجهة مع طهران. فموقعها الجغرافي يمنح القاذفات الأمريكية قدرة على ضرب أهداف داخل العمق الإيراني مع البقاء خارج نطاق معظم الصواريخ التقليدية الإيرانية. هذا العامل يمنح واشنطن هامشًا عملياتيًا واسعًا، ويقلل المخاطر المباشرة على قواتها.
وفي عام 2025، انطلقت منها قاذفات شبح أمريكية لاستهداف مواقع نووية إيرانية حساسة، من بينها منشآت فوردو ونطنز وأصفهان، في عملية عكست قدرتها على تنفيذ ضربات بعيدة ومعقدة.
ورغم بعدها الجغرافي عن إيران بنحو أربعة آلاف كيلومتر، فإن القاعدة لم تكن بمنأى عن التهديدات، إذ لوّح مسؤولون إيرانيون سابقًا بإدراجها ضمن بنك الأهداف المحتملة في حال نشوب حرب مفتوحة.
جدل سيادي وصراع نفوذ
إلى جانب بعدها العسكري، تثير دييغو غارسيا جدلًا سياسيًا متصاعدًا. فالجزيرة تتبع إداريًا لما تسميه بريطانيا "إقليم المحيط الهندي البريطاني"، بينما تطالب جمهورية موريشيوس بالسيادة عليها، مستندة إلى قرارات دولية أبرزها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2019 الذي دعا لندن إلى إنهاء إدارتها للأرخبيل.
وفي عام 2025، وقّعت بريطانيا وموريشيوس اتفاقًا لنقل السيادة مع الإبقاء على استخدام القاعدة بعقد إيجار طويل الأمد، إلا أن الاتفاق لم يدخل حيّز التنفيذ بعد لعدم استكمال إجراءات المصادقة.
ترامب انتقد الترتيبات المتعلقة بنقل السيادة، معتبرا أن التخلي عن جزيرة ذات أهمية حيوية يشكل خطأ إستراتيجيًا، ومشيرًا إلى أن قوى دولية مثل الصين وروسيا تتابع التطورات عن كثب.
ما وراء التهديد
إعادة طرح دييغو غارسيا في خطاب سياسي بهذا الوضوح يعكس أن واشنطن لا تنظر إلى القاعدة باعتبارها مجرد منشأة عسكرية، بل كركيزة ردع متقدمة في معادلة التوازن مع إيران. فهي تمثل نقطة ارتكاز بعيدة عن الضغوط الإقليمية، وتمنح الولايات المتحدة قدرة على التحرك من خارج مسارح الاشتباك التقليدية.
وفي ظل احتدام التوترات الإقليمية، يبدو أن اسم دييغو غارسيا سيبقى حاضرًا في أي سيناريو تصعيد محتمل، سواء كأداة ضغط سياسية أو كنقطة انطلاق لعمليات عسكرية قد تعيد رسم ملامح المشهد في المنطقة.