
حروب الشرق الأوسط بين العقيدة والنفوذ: قراءة في تداخل الأسطورة بالسياسة
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما يجري في المنطقة هو صراع نفوذ بحت تحكمه المصالح، أم أنه صراع عقائدي تغذيه تصورات دينية وتاريخية متجذرة؟
الإجابة لا تبدو بسيطة، بل تشير إلى مزيج معقد من العاملين معاً.
منذ بداية الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، برزت ملامح تحول واضح في طبيعة الصراع، حيث أصبح المشهد الإقليمي ساحة لتنافس جيوسياسي براغماتي، لكنه في الوقت ذاته مشبع بسرديات دينية وأخروية تستخدم لتفسير الأحداث أو تعبئة الجماهير. وقد تعزز هذا الاتجاه بشكل ملحوظ مع تصاعد الأحداث الكبرى في المنطقة، خاصة منذ أحداث 7 أكتوبر 2023 وما تبعها من تصعيد في غزة، وامتداد التوتر إلى ساحات متعددة مثل سوريا ولبنان واليمن والعراق.
هذا التشابك أنتج ما يمكن وصفه بطبقات متعددة للصراع.
الطبقة الأولى تتمثل في انتشار نظريات المؤامرة، التي تجد جذورها في نصوص وأفكار تم توظيفها سياسياً عبر الزمن، مثل ما يُعرف بـ"بروتوكولات حكماء صهيون"، والتي لا تزال تُستخدم في بعض الخطابات لتفسير ما يحدث باعتباره جزءاً من مخطط خفي لإعادة تشكيل المنطقة.
أما الطبقة الثانية فتتعلق باستخدام السرديات الدينية، سواء من منظور فارسي أو يهودي أو غيرهما، حيث يتم استحضار نصوص ونبوءات تاريخية لإضفاء بعد قدري على الصراع، وكأن ما يجري هو تحقيق لمسار مرسوم سلفاً، وليس نتاج قرارات سياسية معاصرة.
في حين تتمثل الطبقة الثالثة في الواقع الجيوسياسي الفعلي، حيث تتصارع الدول والقوى الإقليمية والدولية على النفوذ، والممرات الاستراتيجية، ومصادر الطاقة، وموازين القوة، بعيداً عن أي اعتبارات عقائدية معلنة.
تكمن خطورة هذا التداخل في أنه يخلق بيئة يصعب فيها الفصل بين الحقيقة والتأويل، وبين ما هو سياسي وما هو ديني. فحين يتم توظيف العقيدة لتبرير الصراع، تتحول النزاعات إلى صراعات مفتوحة يصعب احتواؤها، لأن أطرافها لا ترى نفسها مجرد لاعبين سياسيين، بل حاملي رسائل أو معتقدات.
في النهاية، يبدو أن فهم ما يحدث في الشرق الأوسط يتطلب تجاوز التفسيرات الأحادية، والنظر إلى الصراع باعتباره مزيجاً معقداً من المصالح والنصوص، من القوة والأسطورة، حيث لا يمكن اختزال المشهد في كونه حرب نفوذ فقط، ولا في كونه صراعاً عقائدياً خالصاً، بل هو تداخل مستمر بين الاثنين في سياق إقليمي شديد الحساسية والتقلب.