مقامرة 'فن الصفقة' الفاشلة: كيف أعاد ترامب الملف النووي لنقطة الصفر بتكلفة تريليونية؟

📌 منوعات

مقامرة 'فن الصفقة' الفاشلة: كيف أعاد ترامب الملف النووي لنقطة الصفر بتكلفة تريليونية؟

📅 ١٤ يونيو ٢٠٢٦ #البرادعي #ترامب #الاتفاق_النووي #إيران #الاقتصاد_العالمي

بلهجة حادة لم تخفِ غضب الدبلوماسي العتيق، فجر محمد البرادعي قنبلة سياسية بوصفه انسحاب ترامب من الاتفاق النووي بـ 'المحاولة اليائسة' التي دمرت الاقتصاد العالمي دون طائل، فهل كان الصراع على السيادة أم مجرد رغبة في محو إرث أوباما؟

إعلان
مقامرة 'فن الصفقة' الفاشلة: كيف أعاد ترامب الملف النووي لنقطة الصفر بتكلفة تريليونية؟

خلفية الحدث: من الاتفاق التاريخي إلى الانسحاب الدرامي

تعود جذور هذه الأزمة إلى عام 2015، حينما وقعت إيران مع القوى الست الكبرى (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، روسيا، والصين) ما عُرف بخطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA). هذا الاتفاق، الذي استغرق سنوات من المفاوضات الشاقة، كان يهدف إلى تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات الاقتصادية الخانقة. محمد البرادعي، بصفته المدير الأسبق للوكالة الدولية للطاقة الذرية والحائز على نوبل للسلام، كان يرى في هذا الاتفاق نموذجاً للدبلوماسية التي تمنع الحروب، حيث وضع قيوداً صارمة على مستويات تخصيب اليورانيوم وعدد أجهزة الطرد المركزي.

إلا أن المشهد تغير جذرياً في 8 مايو 2018، عندما أعلن الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب انسحاب بلاده من طرف واحد من الاتفاق، واصفاً إياه بأنه "أسوأ اتفاق تم التفاوض عليه في التاريخ". بدأ ترامب ما سماه سياسة "الضغوط القصوى"، التي تضمنت فرض أكثر من 1500 عقوبة جديدة أو معاد تفعيلها، مستهدفاً قطاعات النفط والمصارف والمعادن الإيرانية. هذا القرار لم يكن مجرد خطوة سياسية، بل كان زلزالاً ضرب أسس النظام الدبلوماسي العالمي وأعاد التوتر إلى منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز.

أبعاد الأزمة: بين الطموح النووي والواقع الاقتصادي

تتجاوز أبعاد هذه الأزمة مجرد الخلاف على أجهزة الطرد المركزي؛ إنها معركة على نفوذ القوى العظمى وقدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها عبر النظام المالي العالمي. انسحاب ترامب أدى إلى تآكل الثقة في التزامات واشنطن الدولية، وهو ما أشار إليه البرادعي ضمناً. البعد الفني للأزمة تمثل في رد الفعل الإيراني؛ فمنذ عام 2019، بدأت طهران في التحلل التدريجي من التزاماتها، حيث رفعت نسبة تخصيب اليورانيوم من 3.67% (المنصوص عليها في الاتفاق) إلى 20% ثم إلى 60%، وهي نسبة قريبة جداً من الدرجة العسكرية (90%)، مما قلص "زمن الاقتحام" النووي إلى أسابيع قليلة بعد أن كان يقدر بسنة كاملة بموجب الاتفاق الأصلي.

على الصعيد الاقتصادي، كانت الأبعاد مدمرة. فقد تسببت العقوبات في عزل إيران عن نظام "سويفت" العالمي، مما شل قدرتها على تصدير النفط، الذي انخفض من 2.8 مليون برميل يومياً في 2018 إلى أقل من 500 ألف برميل في بعض فترات عام 2020. هذا الانكماش لم يؤثر على طهران وحدها، بل خلق حالة من عدم اليقين في أسواق الطاقة العالمية، وأدى إلى ارتفاع تكاليف التأمين على الناقلات في منطقة الخليج، وهو ما ساهم في تضخم أسعار السلع عالمياً، بما يتماشى مع رؤية البرادعي حول "الأضرار الجسيمة" التي لحقت بالاقتصاد العالمي.

التداعيات: فاتورة باهظة وشلل دبلوماسي

إعلان

التداعيات المباشرة لسياسة ترامب كانت عكسية تماماً لما خطط له؛ فبدلاً من إجبار إيران على التفاوض على اتفاق "أفضل"، أدت الضغوط إلى تقوية الجناح المتشدد في طهران وإضعاف تيار الإصلاحيين بقيادة حسن روحاني ومحمد جواد ظريف. فقد خسر الريال الإيراني أكثر من 80% من قيمته مقابل الدولار، ووصلت معدلات التضخم في إيران إلى مستويات قياسية تجاوزت 45%، مما أدى إلى اضطرابات اجتماعية واسعة. ولكن على الجانب الآخر، استمر البرنامج النووي في التوسع كماً وكيفاً، مما جعل العالم اليوم يواجه إيراناً أكثر تقدماً من الناحية التقنية مما كانت عليه في 2015.

أما التداعيات الدولية، فقد تمثلت في شرخ عميق بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين. حاولت بريطانيا وفرنسا وألمانيا عبر آلية "إنستكس" (INSTEX) الالتفاف على العقوبات الأمريكية للحفاظ على الاتفاق، لكن الخوف من سطوة الدولار جعل الشركات الكبرى مثل "توتال" و"رينو" تنسحب من السوق الإيرانية. هذا الشلل الدبلوماسي جعل العودة إلى طاولة المفاوضات في فيينا لاحقاً عملية معقدة للغاية، حيث يطالب الإيرانيون الآن بضمانات قانونية وتعويضات عن الخسائر، وهو ما يضع إدارة بايدن في مأزق سياسي وقانوني أمام الكونغرس.

الأطراف المعنية: صراع الإرادات والمصالح المتضاربة

تتوزع الأطراف المعنية بين لاعبين أساسيين ومراقبين متضررين. في واشنطن، ينقسم المشهد بين إرث ترامب الذي يرى في الضغط الأداة الوحيدة، وإدارة بايدن التي تحاول ترميم ما انكسر دون أن تبدو ضعيفة. في طهران، انتقلت السلطة إلى إبراهيم رئيسي، الذي يتبنى نهجاً أكثر راديكالية يركز على "اقتصاد المقاومة" والتوجه شرقاً نحو الصين وروسيا. الصين بدورها أصبحت طرفاً حاسماً، حيث وقعت مع إيران اتفاقية تعاون استراتيجي لمدة 25 عاماً بقيمة 400 مليار دولار، مما وفر لطهران شريان حياة خفف من وطأة العقوبات الأمريكية.

ولا يمكن غافل دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي يمثلها حالياً رافائيل غروسي، والتي تجد نفسها في موقف حرج لمحاولة مراقبة مواقع لم تعد الكاميرات فيها تعمل بشكل كامل. كما تبرز القوى الإقليمية، وعلى رأسها إسرائيل ودول الخليج، كأطراف معنية بشكل مباشر؛ فبينما كانت إسرائيل من أشد المحرضين على انسحاب ترامب، بدأت أصوات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية مؤخراً تعترف بأن الانسحاب كان خطأً استراتيجياً جعل إيران أقرب للقنبلة من أي وقت مضى دون وجود وسيلة فعالة للردع سوى الخيار العسكري المكلف.

الموقف والتحليل: مقامرة سياسية على أنقاض العقلانية

بتحليل تصريحات محمد البرادعي، نجد أنها ليست مجرد نقد لشخص ترامب، بل هي إدانة لمدرسة سياسية تعتمد "المقامرة" بدلاً من "الدبلوماسية القائمة على الحقائق". البرادعي، بخبرته الطويلة، يدرك أن تدمير اتفاق دولي دون وجود بديل جاهز هو "انتحار دبلوماسي". الرأي الجريء هنا هو أن انسحاب ترامب لم يكن يهدف أبداً لتحسين شروط الاتفاق، بل كان عملاً انتقامياً لمحو إنجاز باراك أوباما الأبرز، بغض النظر عن الكلفة الإنسانية والاقتصادية. لقد دفع العالم تريليونات الدولارات (بشكل مباشر وغير مباشر) ثمناً لتقلبات مزاجية في البيت الأبيض، لينتهي الأمر بمحاولة العودة إلى نفس نقطة البداية.

إن وصف البرادعي للمحاولات الحالية بأنها "يائسة" يعكس واقعاً مريراً؛ فإيران اليوم ليست إيران 2015. لقد اكتسبت خبرة تقنية في التخصيب المتقدم لا يمكن انتزاعها منها بالاتفاقات، كما أن سلاسل التوريد العالمية تغيرت. الحقيقة الصادمة هي أن سياسة ترامب منحت إيران الذريعة المثالية لتسريع برنامجها، بينما خسرت واشنطن هيبتها الأخلاقية والقانونية. الاستنتاج النهائي هو أن الدبلوماسية عندما تُبنى على الشعارات الشعبوية بدلاً من الأرقام والواقع الجيوسياسي، فإنها تؤدي حتماً إلى دمار اقتصادي وتهديد وجودي للأمن العالمي، وما نراه اليوم هو محاولة يائسة لترميم مزهرية حطمها ترامب عمداً، ولن تعود أبداً كما كانت.

🌍 ENGLISH VERSION

The Failure of 'The Art of the Deal': How Trump Reset the Nuclear Clock at a Trillion-Dollar Cost

In a sharp diplomatic critique, Mohamed ElBaradei labeled Donald Trump's withdrawal from the Iran nuclear deal as a 'desperate attempt' that destabilized the global economy for nothing. Was this a strategic maneuver or a personal vendetta against Obama's legacy?

Context of the Incident

The Joint Comprehensive Plan of Action (JCPOA), signed in 2015, was hailed as a landmark achievement in multilateral diplomacy. Under the agreement, Iran agreed to limit its nuclear activities in exchange for the lifting of economic sanctions. However, in May 2018, Donald Trump unilaterally withdrew the United States from the deal, initiating a 'Maximum Pressure' campaign that aimed to force Iran into a more restrictive agreement. This move was met with global skepticism and laid the groundwork for the current diplomatic stalemate.

Mohamed ElBaradei, the former Director-General of the IAEA and a Nobel Peace Prize laureate, has consistently argued that the JCPOA was the best possible compromise. His recent comments highlight a sense of frustration among the international diplomatic community, as years of progress were undone in a matter of months, leading to a volatile security environment in the Middle East and beyond.

The Dimensions of the Crisis

The crisis is not merely a bilateral dispute between Washington and Tehran; it is a multi-dimensional challenge involving global energy security and nuclear non-proliferation. By exiting the deal, the U.S. effectively neutralized the mechanisms that were monitoring Iran's nuclear sites. This led to Iran gradually reducing its commitments, moving from the 3.67% enrichment limit stipulated in the deal to higher purity levels, nearing the threshold for weapons-grade material.

Geopolitically, the withdrawal fractured the alliance between the U.S. and its European partners (the E3: UK, France, and Germany). While the Europeans attempted to keep the deal alive through mechanisms like INSTEX, the overwhelming power of U.S. secondary sanctions made it nearly impossible for global companies to trade with Iran, thus effectively killing the economic incentives that were the core of the 2015 agreement.

Global and Regional Repercussions

The economic fallout has been staggering. Experts estimate that the disruption in oil markets and the heightened risk of conflict in the Persian Gulf have cost the global economy billions in insurance premiums, shipping costs, and energy price volatility. Inside Iran, the 'Maximum Pressure' campaign triggered record-high inflation, reaching over 40%, and caused the rial to lose more than 80% of its value, hitting the Iranian middle class hardest while empowering hardline factions within the government.

Furthermore, the collapse of the deal emboldened regional rivals and led to a series of maritime incidents and drone attacks on energy infrastructure. The lack of a diplomatic channel meant that every provocation carried the risk of escalating into a full-scale regional war, a scenario that the international community has been desperately trying to avoid for decades.

The Key Stakeholders

The primary actors remain the 'P5+1' powers. For China and Russia, the U.S. withdrawal was seen as a violation of international law and a challenge to the authority of the UN Security Council. For the Biden administration, the task has been to find a 'longer and stronger' deal, a task made immensely difficult by the loss of trust between the negotiating parties over the last four years.

In Tehran, the political landscape shifted from the pragmatism of Hassan Rouhani to the hardline stance of Ebrahim Raisi. This shift was largely catalyzed by the failure of the JCPOA to deliver the promised economic dividends. The IAEA, now led by Rafael Grossi, continues to face challenges in monitoring Iran's advanced centrifuge programs, which have accelerated significantly since 2019.

Position and Analysis

Analyzing ElBaradei's remarks reveals a profound truth: Trump's strategy was a gamble that ignored the complexities of nuclear physics and international law in favor of short-term political posturing. The 'Art of the Deal' failed in the nuclear arena because it assumed that economic strangulation alone would lead to a total surrender of sovereignty. Instead, it led to a more defiant Iran and a more precarious world.

The return to 'point zero' is a tragedy of modern diplomacy. Billions of dollars were lost, and regional security was compromised, only for the world to realize that the 2015 framework was the most realistic path forward. ElBaradei's critique serves as a warning that unilateralism, when divorced from factual reality and historical context, leads only to destruction and a desperate scramble to fix self-inflicted wounds.

📊
هل تعتقد أن سياسة 'الضغوط القصوى' التي اتبعها ترامب نجحت في كبح طموحات إيران النووية؟

المصدر: عالم محير٨٣abuomer83.com

إرسال تعليق

0 تعليقات