تخبط إداري أم انتحار رياضي؟.. كواليس إقالة 'الوهم' وتعيين 'المنقذ' في المنتخب التونسي
بين ليلة وضحاها، اشتعلت الأوساط الرياضية التونسية بخبر إقالة صبري اللموشي قبل أن يبدأ مهمته فعلياً، فهل يعكس هذا التخبط غياب الرؤية الإستراتيجية لدى الجامعة التونسية لكرة القدم؟
خلفية الحدث: من انكسار «الكان» إلى فراغ الدكة
يعيش المنتخب التونسي لكرة القدم، الملقب بـ «نسور قرطاج»، حالة من عدم الاستقرار الفني والإداري منذ الخروج المذل من دور المجموعات في كأس أمم إفريقيا 2023 التي أقيمت في ساحل العاج. هذا الخروج الذي أدى إلى استقالة المدرب جلال القادري، ترك فراغاً كبيراً في القيادة الفنية في وقت حساس جداً، حيث يخوض المنتخب غمار التصفيات المؤلهة لكأس العالم 2026. الجامعة التونسية لكرة القدم، التي تديرها حالياً لجنة تسوية مؤقتة مكلفة من «فيفا»، وجدت نفسها أمام ضغوط جماهيرية وإعلامية هائلة لاختيار مدرب قادر على إعادة الهيبة للمنتخب.
خلال الأشهر الماضية، تم تداول عدة أسماء عالمية ومحلية، لكن برز اسم الفرنسي-الإيفواري صبري اللموشي كمرشح قوي نظراً لخبرته السابقة مع منتخب ساحل العاج وأندية فرنسية وقطرية. إلا أن الأنباء الأخيرة التي أوردتها «روسيا اليوم» نقلاً عن وسائل إعلام تونسية حول إقالته المفاجئة، حتى قبل أن يباشر مهامه رسمياً بشكل مستقر، تفتح الباب على مصراعيه حول كواليس ما يدور داخل أروقة الجامعة التونسية لكرة القدم (FTF). المنتخب التونسي حالياً يحتل المركز 41 عالمياً في تصنيف فيفا، وهو مركز لا يلبي طموحات الجماهير التي اعتادت رؤية النسور ضمن الثلاثة الكبار في القارة السمراء.
أبعاد القرار: لماذا صبري اللموشي؟ ولماذا التراجع؟
تحليل أبعاد هذا القرار يتطلب النظر في السيرة الذاتية لصبري اللموشي، الذي قاد «الأفيال» الإيفوارية في مونديال 2014، حيث يمتلك عقلية تكتيكية أوروبية لكنه يفهم جيداً طبيعة الكرة الإفريقية. التعاقد معه كان يهدف إلى ضخ دماء جديدة وفكر تدريبي معاصر يبتعد عن المدرسة المحلية التي يرى الكثيرون أنها استنزفت كل حلولها. ومع ذلك، يبدو أن «البعد المادي» واختلاف الرؤى حول تشكيل الجهاز المعاون كانا حجر العثرة. فالمطالب المالية للمدربين الأجانب في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها بعض الهياكل الرياضية في تونس تجعل من الصعب إتمام مثل هذه الصفقات الكبرى.
البعد الآخر يتمثل في الصراع الخفي بين مؤيد للمدرب الأجنبي ومطالب بالمدرب المحلي «المنقذ». التقارير تشير إلى أن الجامعة التونسية وتحت ضغط ضيق الوقت قبل المواعيد الدولية القادمة، فضلت التراجع عن خيار اللموشي والبحث عن بديل محلي (مثل فوزي البنزرتي الذي تردد اسمه بقوة للمرة الخامسة في مسيرته) لضمان معرفة سريعة بالرصيد البشري. هذا التذبذب في القرار يعكس غياب «لجنة فنية» قارة تضع معايير واضحة للاختيار بعيداً عن ردود الأفعال اللحظية.
التداعيات الرياضية: شبح الغياب عن مونديال 2026
إن إقالة مدرب أو التراجع عن التعاقد معه في هذا التوقيت له تداعيات خطيرة على استقرار «بيت النسور». تونس حالياً تتصدر المجموعة الثامنة في تصفيات المونديال برصيد 10 نقاط، لكن الأداء الفني في المباريات الأخيرة أمام ناميبيا وغينيا الاستوائية أثار قلق المحللين. غياب الاستقرار الفني يعني غياب المنهجية في اختيار اللاعبين، خاصة مع بروز مواهب شابة في الدوريات الأوروبية تحتاج إلى مشروع رياضي مقنع لتمثيل تونس بدلاً من بلدان المهجر.
علاوة على ذلك، فإن تغيير المدربين المتكرر يؤدي إلى فقدان الهوية الكروية. المنتخب التونسي الذي كان يُعرف بصلابته الدفاعية وتنظيمه العالي، بدا في المباريات الأخيرة تائهاً وتفتقر خطوطه للانسجام. وإذا لم يتم تدارك الأمر بمدرب يمتلك مشروعاً طويل الأمد (على الأقل حتى 2026)، فإن تونس قد تجد نفسها خارج المونديال القادم، وهو ما سيمثل كارثة اقتصادية ورياضية كبرى، بالنظر إلى العوائد المالية التي تجنيها الجامعة من المشاركة العالمية والتي تقدر بملايين الدولارات.
الأطراف المعنية: صراع الصلاحيات والمصالح
تتداخل في هذا الملف عدة أطراف، أولها «لجنة التسوية» برئاسة كمال إيدير، وهي لجنة مؤقتة تحاول ترتيب البيت الداخلي وتسيير الأعمال اليومية، لكنها تفتقر أحياناً للشرعية القانونية لاتخاذ قرارات إستراتيجية بعيدة المدى. الطرف الثاني هو وزارة الشباب والرياضة التونسية، التي تراقب المشهد عن كثب وتتدخل أحياناً لضبط المصاريف المالية، مما يحد من خيارات الجامعة في التعاقد مع مدربين عالميين بمرتبات ضخمة.
لا يمكن إغفال دور اللاعبين، فالجيل الحالي الذي يضم أسماء مثل إلياس السخيري وعيسى العيدوني ويوسف المساكني، يحتاج إلى مدرب يحظى باحترام الجميع ويمتلك «كاريزما» قوية للسيطرة على غرفة الملابس. وأخيراً، يأتي الجمهور التونسي الذي يمارس ضغطاً لا يستهان به عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث أصبح الرأي العام الرياضي شريكاً غير رسمي في إقالة المدربين وتعيينهم، وهو ما يضع المسؤولين تحت ضغط اتخاذ قرارات «شعبوية» بدلاً من القرارات الفنية المدروسة.
الموقف والتحليل: مشروع كروي «من ورق» وغياب الرؤية
بصفتي محرراً في «عالم محير 83»، أرى أن ما يحدث في الجامعة التونسية لكرة القدم هو نموذج صارخ لـ «إدارة الأزمات» وليس «إدارة المشاريع». إن الإعلان عن مدرب ثم إقالته أو التراجع عنه قبل أن يجف حبر العقد هو «انتحار رياضي» واستهتار بسمعة كرة القدم التونسية التي كانت يوماً رائدة في القارة. المشكلة ليست في اسم صبري اللموشي أو فوزي البنزرتي، بل في غياب الإستراتيجية. هل تريد تونس بناء منتخب للمستقبل أم مجرد التأهل للمونديال بأي ثمن؟
الرأي الجريء هنا هو أن الكرة التونسية تدفع ثمن «التصحر الإداري». فبدلاً من الاستثمار في تكوين المدربين وتطوير الإدارة الفنية، نجد الجامعة تغرق في صراعات قانونية وشخصية. الاعتماد على «المدرب الطوارئ» في كل مرة هو اعتراف ضمني بالفشل. تونس تحتاج إلى «ثورة فنية» تبدأ من القاعدة، وإلى تعيين مدرب بشروط فنية بحتة وعقد يمتد لأربع سنوات على الأقل، مع حمايته من تقلبات النتائج الودية. ما نراه اليوم هو مجرد «مسكنات» لن تعالج المرض العضال الذي أصاب النسور، وإذا استمر هذا التخبط، فإن المنتخب التونسي سيتحول من عملاق إفريقي إلى مجرد جسر عبور للمنتخبات الطموحة.
Administrative Chaos or Sporting Suicide? Behind the Scenes of the Coaching Crisis in the Tunisian National Team
The Tunisian sports scene erupted overnight with news of Sabri Lamouchi's dismissal before he even officially began. Does this turmoil reflect a lack of strategic vision within the Tunisian Football Federation?
Context of the Event
The Tunisian national team, known as the Eagles of Carthage, has been in a state of technical instability since the early exit from the 2023 Africa Cup of Nations in Ivory Coast. Following the resignation of Jalel Kadri, the Tunisian Football Federation (FTF) has been searching for a savior to guide the team through the 2026 World Cup qualifiers. The name of Sabri Lamouchi, the former Ivory Coast and Cardiff City manager, emerged as a top candidate, but the sudden shift in decisions reflects deep-seated administrative issues within the federation's interim committee.
Tunisia currently leads Group H in the African qualifiers for the 2026 World Cup with 10 points from 4 matches, but the performance has been unconvincing. The pressure from the public and the media has forced the authorities to look for a 'big name' that can restore the team's prestige, yet the process of selection has been marred by leaks and contradictory statements.
Dimensions of the Decision
The reported dismissal of Sabri Lamouchi, even before a formal long-term contract was solidified, points to a conflict of interest and a lack of consensus within the FTF's decision-making circles. Lamouchi, who has a mixed record as a manager, was seen by some as a modern tactical mind, while others viewed him as a risky choice with no direct experience in the Tunisian domestic environment. The financial demands of foreign coaches also play a significant role, as the FTF struggles with budgetary constraints.
On the other hand, the quick move to appoint a new coach—likely returning to a local veteran like Faouzi Benzarti—suggests a 'panic move' to stabilize the dressing room. This dimension highlights the struggle between adopting a long-term European-style project and the immediate need for 'firefighting' results to appease a frustrated fan base.
Impact and Consequences
The primary consequence of this coaching carousel is the loss of precious time. With crucial qualifiers approaching, the lack of a settled technical staff disrupts the scouting of players, especially those playing in Europe (dual nationals). The uncertainty affects the morale of the senior players and creates a gap between the federation and the supporters. If the new coaching staff fails to secure immediate wins, the Tunisian team risks falling behind in FIFA rankings, where they currently sit at 41st globally.
Furthermore, the reputation of the FTF in the international market is at stake. Top-tier international managers are often reluctant to take jobs where the administrative environment is perceived as volatile. This could lead to a future where Tunisia is forced to overpay for mediocre talent or settle for temporary solutions that do not build a sustainable footballing identity.
Stakeholders Involved
The main actors in this drama are the Interim Committee of the FTF, led by Kamal Idir, who is tasked with normalizing the federation's affairs after the legal troubles of the previous leadership. The Ministry of Youth and Sports also plays a shadowy but influential role, as it oversees the funding and general policy of sports in the country. Then there are the players, led by captain Ellyes Skhiri and veteran Youssef Msakni, who find themselves caught in the middle of tactical shifts.
The Tunisian media and the powerful fans of the 'Big Four' clubs (Esperance, Club Africain, Etoile du Sahel, and CS Sfaxien) exert immense pressure. Their influence often dictates the lifespan of a coach, as public outcry can lead to immediate dismissals regardless of the contractual status.
The Position and Analysis
From an analytical standpoint, the Tunisian national team is undergoing a 'identity crisis.' The decision to fire or bypass Lamouchi in favor of a new appointment is not just about football; it is a symptom of a systemic failure in sports governance. The federation seems to be recycling old names and old ideas, hoping for different results. This 'recycling' policy prevents the integration of modern coaching methodologies that are now dominating African football, as seen in Morocco and Senegal.
My bold take: Unless there is a complete overhaul of how the technical directorate operates, the Eagles of Carthage will remain a team that qualifies for tournaments but never competes for titles. The current management style is 'management by crisis,' which is the antithesis of the long-term planning required to succeed on the global stage. The fans deserve more than a musical chairs game on the bench.
المصدر: عالم محير٨٣ — abuomer83.com
0 تعليقات