صفقة واشنطن-طهران فوق الأنقاض اللبنانية: هل نضجت "الطبخة" الإقليمية على حساب السيادة؟

📌 منوعات

صفقة واشنطن-طهران فوق الأنقاض اللبنانية: هل نضجت "الطبخة" الإقليمية على حساب السيادة؟

📅 ١٦ يونيو ٢٠٢٦ #جوزاف عون #عباس عراقجي #اتفاق واشنطن طهران #الجيش اللبناني #السيادة اللبنانية

اتصال مفاجئ بين طهران واليرزة يفتح الباب أمام تساؤلات حارقة حول دور قائد الجيش اللبناني جوزاف عون كبديل رئاسي في ظل التفاهمات الإقليمية الكبرى، فهل ينهي اتفاق واشنطن وطهران حريق الشرق الأوسط أم أنه مجرد إعادة توزيع للأدوار؟

إعلان
صفقة واشنطن-طهران فوق الأنقاض اللبنانية: هل نضجت

خلفية الحدث: اتصالات الظل وتفاهمات اللحظة الأخيرة

يأتي الاتصال الهاتفي الذي تلقاه قائد الجيش اللبناني، العماد جوزاف عون، من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في لحظة مفصلية من تاريخ الشرق الأوسط. فبعد أشهر من التصعيد العسكري الذي أعقب أحداث 7 أكتوبر 2023، وما تلاها من مواجهات دامية على الجبهة اللبنانية-الإسرائيلية، يبدو أن هناك "خيطاً أبيض" بدأ يظهر في أفق المفاوضات السرية. هذا الاتصال لم يكن بروتوكولياً فحسب، بل هو ترجمة لمسار تفاوضي طويل خاضته واشنطن وطهران عبر قنوات وسيطة في مسقط والدوحة، للوصول إلى صيغة "تجميد النزاع".

الأرقام تشير إلى أن حجم الدمار في جنوب لبنان وحده تجاوز 1.5 مليار دولار كخسائر مباشرة في البنية التحتية، مع نزوح أكثر من 110 ألف مواطن من القرى الحدودية. وفي ظل هذا الواقع المرير، جاء الترحيب اللبناني (عبر مؤسسة الجيش التي تحظى بثقة دولية) بالتفاهم الأمريكي-الإيراني ليعكس حاجة الداخل اللبناني إلى "نفس" صعدت معه الآمال بوقف آلة الحرب. عباس عراقجي، الذي يُعد مهندس الدبلوماسية الإيرانية الواقعية، اختار التواصل مع اليرزة (مقر قيادة الجيش) في إشارة واضحة إلى أن الجيش هو الضامن الوحيد لأي ترتيبات أمنية قادمة، خاصة في ظل الشغور الرئاسي المستمر منذ أكتوبر 2022.

السياق التاريخي يؤكد أن التفاهمات الأمريكية-الإيرانية غالباً ما تُطبخ على نار هادئة، لكن تنفيذها يتطلب أدوات محلية قوية. وفي لبنان، بعد تراجع دور المؤسسات السياسية التقليدية، برز العماد جوزاف عون كشخصية قادرة على التحدث مع الجميع. وبحسب مصادر دبلوماسية، فإن التفاهم الحالي لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يتعداه إلى رسم ملامح "منطقة عازلة" غير معلنة، تُحترم فيها قواعد الاشتباك الجديدة التي تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة قد تحرق المنطقة بأكملها.

أبعاد الحدث: لماذا جوزاف عون ولماذا الآن؟

تكمن أبعاد هذا الاتصال في دلالة الشخصية المتلقية؛ فالعماد جوزاف عون ليس مجرد قائد عسكري، بل هو اسم مطروح بقوة في كواليس عواصم القرار (واشنطن، باريس، الرياض) كمرشح تسوية لرئاسة الجمهورية. تواصل طهران معه مباشرة يعني اعترافاً إيرانيًا بالواقع الجديد الذي يكرس الجيش كشريك أساسي في صياغة مستقبل لبنان السياسي والأمني، وليس مجرد قوة تنفيذية. هذا البعد يعزز من فرضية أن "الصفقة الكبرى" تشمل ترتيبات داخلية لبنانية تبدأ بإنهاء الفراغ الرئاسي مقابل ضمانات أمنية على الحدود.

على الصعيد الإقليمي، يمثل التفاهم الأمريكي-الإيراني محاولة لتطويق النفوذ المتزايد للمواجهة المباشرة. واشنطن تريد تأمين ممرات الملاحة في البحر الأحمر واستقرار الجبهة الشمالية لإسرائيل قبل الدخول في معترك الانتخابات الرئاسية الأمريكية. أما طهران، فهي تسعى لتخفيف الضغط الاقتصادي عنها، حيث فقد التومان الإيراني جزءاً كبيراً من قيمته، وتجاوزت نسبة التضخم 40%، مما يجعل التهدئة ضرورة استراتيجية للنظام الإيراني لضمان الاستقرار الداخلي وتمرير أجندة الرئيس الجديد مسعود بزشكيان.

البعد الثالث يتعلق بالقرار الدولي 1701، حيث بات الاتصال بين عراقجي وعون يصب في خانة البحث عن آليات تنفيذية لهذا القرار بعيداً عن الشعارات. الأرقام تفيد بأن الجيش اللبناني يحتاج إلى تطويع نحو 10 آلاف جندي إضافي للانتشار في الجنوب، وهي خطوة تتطلب تمويلاً دولياً وغطاءً سياسياً إقليمياً. اتصال عراقجي قد يُفهم كمنح "الضوء الأخضر" الإقليمي للجيش للقيام بهذا الدور، وهو ما يمثل تحولاً جوهرياً في الموقف الإيراني الذي كان يركز سابقاً على "ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة".

تداعيات التفاهم: خارطة طريق جديدة أم هدنة مؤقتة؟

إعلان

تداعيات هذا الاتفاق ستظهر أولاً في تبريد الجبهة الجنوبية. من المتوقع أن تشهد الأسابيع القادمة انخفاضاً ملحوظاً في حدة العمليات العسكرية، مع عودة تدريجية للنازحين على جانبي الحدود. إحصائياً، سجلت الأشهر الماضية أكثر من 4000 خرق أمني، لكن التفاهم الجديد قد يخفض هذه النسبة بمقدار 80% إذا ما التزمت الأطراف ببنود "تفاهم الظل". هذا سيسمح لشركات التنقيب الدولية، مثل "توتال إنيرجي"، بالعودة لتقييم الموارد الغازية في البلوكات البحرية، وهو أمل لبنان الأخير للتعافي الاقتصادي.

أما على الصعيد السياسي الداخلي، فإن هذا التفاهم قد يؤدي إلى حلحلة عقدة الرئاسة. القوى السياسية اللبنانية، التي اعتادت انتظار الخارج، ستجد نفسها أمام أمر واقع يفرضه الاتفاق الأمريكي-الإيراني. التداعيات قد تشمل تراجعاً في حظوظ مرشحي المواجهة وبروز خيار "المرشح الثالث" أو العسكري، وهو ما يفسر الهجوم الاستباقي من بعض الأطراف المحلية على قائد الجيش. إن نجاح التفاهم يعني بالضرورة تحجيم الأدوار التي تقتات على الصراع، والبدء بمرحلة "الإعمار السياسي" التي تتطلب وجوهاً مقبولة دولياً وإقليمياً.

خارجياً، سيؤدي التفاهم إلى إعادة صياغة التحالفات. إسرائيل، التي تراقب بحذر، قد تجد نفسها ملزمة بقبول التهدئة إذا ما ضمنت واشنطن إبعاد الأسلحة الثقيلة عن حدودها الشمالية لمسافة تتراوح بين 7 إلى 10 كيلومترات. هذا التطور سيقلل من احتمالات نشوب حرب إقليمية كبرى كانت تقديرات الاستخبارات تشير إلى أن احتمال حدوثها في صيف 2024 تجاوز 60%. لبنان هنا هو المختبر الحقيقي لمدى صدقية النوايا بين طهران وواشنطن.

الأطراف المعنية: مصالح متقاطعة فوق فوهة بركان

في هذا المشهد، تبرز أربعة أطراف أساسية: أولاً، الولايات المتحدة التي يمثلها الموفد آموس هوكشتاين، الساعي لترسيخ إرث دبلوماسي عبر تأمين الحدود البحرية والبرية. ثانياً، إيران التي تحاول الموازنة بين الحفاظ على نفوذها الإقليمي (محور المقاومة) وبين رغبتها في الانفتاح الاقتصادي ورفع العقوبات التي كبدتها خسائر تقدّر بـ 150 مليار دولار منذ انسحاب ترامب من الاتفاق النووي في 2018.

الطرف الثالث هو الجيش اللبناني، الذي يجد نفسه في موقع "بيضة القبان". العماد جوزاف عون يدير مؤسسة تعاني من أزمة معيشية خانقة، حيث لا يتجاوز راتب الجندي العادي 100 دولار شهرياً، ومع ذلك يظل هو المؤسسة الوحيدة المتماسكة. الاتصال الإيراني هو اعتراف بهذه القوة. أما الطرف الرابع فهي القوى السياسية اللبنانية، المنقسمة بين من يرى في التفاهم فرصة للإنقاذ، ومن يراه "انقلاباً" على التوازنات الطائفية المعهودة. حزب الله، بصفته اللاعب الميداني الأقوى، سيكون معنياً بمراقبة كيفية ترجمة هذا التفاهم على الأرض، وهل سيؤدي إلى سحب بساط الشرعية الشعبية من تحت خياراته العسكرية لصالح الحلول الدبلوماسية؟

لا يمكن إغفال دور القوى الإقليمية الأخرى مثل السعودية وفرنسا. فالرياض ترهن مساهمتها في إعمار لبنان (الذي يحتاج إلى أكثر من 10 مليارات دولار كبداية) بوجود سلطة سيادية تمنع استخدام لبنان كمنصة للهجوم على جيرانه. فرنسا من جهتها، ترى في التفاهم الأمريكي-الإيراني فرصة لإنجاح مبادرتها التي تعثرت مراراً. الكل ينتظر ليرى هل سيتحول هذا الاتصال إلى فعل ملموس، أم سيبقى مجرد مناورة دبلوماسية في وقت ضائع؟

الموقف والتحليل: سيادة منقوصة وصفقات فوق الرؤوس

من وجهة نظر محرر "عالم محير٨٣"، فإن هذا التفاهم، رغم كونه بارقة أمل لوقف القتل، يكرس واقعاً مريراً: لبنان ليس إلا ورقة تفاوض في جعبة الكبار. إن تواصل وزير خارجية دولة أجنبية (إيران) مع قائد جيش دولة أخرى (لبنان) للتبشير باتفاق مع دولة ثالثة (أمريكا)، هو الدليل القاطع على انهيار السيادة اللبنانية بمفهومها التقليدي. نحن أمام "انتداب مقنّع" بلبوس دبلوماسي، حيث تُقرر مصائر اللبنانيين في غرف مغلقة بين طهران وواشنطن، ويُكتفى بإبلاغ المسؤولين اللبنانيين بالنتائج عبر الهاتف.

الرأي الجريء هنا هو أن لبنان يتم تحويله إلى "منطقة عازلة" كبرى، والجيش يتم دفعه ليكون "حرس حدود" دولي بتمويل خارجي، مقابل وعود سياسية هشة. إن الترحيب بوقف الحرب هو حق إنساني، لكن القبول بأن يكون ثمن ذلك هو تغييب الدولة ومؤسساتها الدستورية لصالح صفقات إقليمية هو انتحار سياسي. التفاهم الأمريكي-الإيراني قد يطفئ الحريق، لكنه لن يبني وطناً. إن الاعتماد على الخارج لحل الأزمات الداخلية اللبنانية أثبت فشله منذ عام 1975، وما نراه اليوم هو تكرار لسيناريوهات سابقة بأسماء جديدة.

التحليل العميق يشير إلى أننا أمام مرحلة "عسكرة الدبلوماسية". عندما يصبح قائد الجيش هو المحاور الأول، فهذا يعني أن لغة الرصاص هي التي فرضت طاولة المفاوضات، وأن السياسيين قد استنفدوا أغراضهم. الخطر الحقيقي يكمن في أن هذا التفاهم قد يكون مجرد "هدنة تقنية" تسبق العاصفة، إذا ما تغيرت الإدارة في واشنطن أو إذا ما قرر المتشددون في طهران أن ثمن التهدئة أكبر من مكاسبها. لبنان يحتاج إلى استراتيجية دفاعية وطنية تنبع من الداخل، وليس إلى تفاهمات هاتفية تأتي عابرة للحدود لتملي علينا ما يجب فعله فوق أنقاض بيوتنا.

🌍 ENGLISH VERSION

The Washington-Tehran Deal Over Lebanese Rubble: Has the Regional 'Recipe' Ripened at the Expense of Sovereignty?

A sudden call between Tehran and Yarzeh raises burning questions about Lebanese Army Commander Joseph Aoun's role as a presidential alternative amidst grand regional understandings. Does the Washington-Tehran agreement end the Middle East conflict or merely redistribute roles?

Context of the Event

The recent diplomatic movement comes after a period of extreme escalation in the Middle East. On Monday, Lebanese Army Commander General Joseph Aoun received a significant phone call from Iranian Foreign Minister Abbas Araghchi. This communication follows months of clandestine and overt negotiations between Washington and Tehran, mediated by regional players like Oman and Qatar. The primary focus is a strategic 'understanding' aimed at de-escalating the military confrontations that have ravaged the region since late 2023. The involvement of the Army Commander, rather than a political head (due to the presidential vacuum), signals a shift in how international powers view the Lebanese state apparatus.

Statistics indicate that the recent conflict has displaced over 1.2 million Lebanese citizens and caused infrastructure damage exceeding $4 billion. In this context, the 'Araghchi-Aoun' call isn't just a courtesy; it represents a recognition of the Lebanese Armed Forces (LAF) as the only cohesive institution left. The Iranian side, shifting its tone under the new administration of President Masoud Pezeshkian, appears to be seeking a 'safe landing' for its regional interests without direct confrontation with the United States, especially as the U.S. elections approach and internal pressures mount in Tehran.

Strategic Dimensions

The dimension of this call extends beyond a simple ceasefire. It touches upon the implementation of UN Security Council Resolution 1701, which demands the absence of any armed personnel other than the LAF and UNIFIL south of the Litani River. For Iran to discuss this directly with the Army Commander suggests a pragmatic realization: the military is the guarantor of any future border stability. The U.S., on the other hand, has increased its military aid to the LAF, providing approximately $212 million in fiscal year 2023-2024, emphasizing its role as a counterweight to non-state actors.

Furthermore, the timing is critical. Iran is facing severe economic sanctions and internal dissent, while the U.S. is keen on preventing a multi-front regional war that could spike oil prices. The 'understanding' likely includes easing some economic pressures on Iran in exchange for restraining its regional proxies. For Lebanon, this means being the primary theater where this 'Grand Bargain' is tested. The call validates General Joseph Aoun's position as a consensus candidate for the presidency, a role that both Washington and now potentially Tehran are beginning to contemplate as part of a broader stability package.

Regional Implications

The implications for the 'Axis of Resistance' are profound. If Tehran has indeed reached a 'De-escalation Understanding' with Washington, the rules of engagement for groups like Hezbollah will inevitably change. We are looking at a transition from 'active combat' to 'strategic containment.' This shift is reflected in the diplomatic rhetoric coming out of Beirut, where the emphasis has moved from 'linking fronts' to 'national interest and sovereignty.' However, the risk remains that any breach in this fragile understanding could lead to a catastrophic collapse of the truce.

Economically, a cessation of hostilities would allow for the potential exploration of Lebanon's maritime gas wealth in Block 9, which has been stalled due to the security situation. Investors are watching closely; any sign of a permanent deal could stabilize the Lebanese Pound, which has lost 98% of its value since 2019. The international community, led by the 'Quintet Committee' (USA, France, KSA, Egypt, Qatar), sees the Washington-Tehran rapprochement as the necessary lubricant to turn the rusted gears of Lebanese politics.

The Involved Parties

The key actors in this drama are not limited to Lebanon and Iran. The United States, represented by envoy Amos Hochstein, has been the primary architect of the border arrangements. On the Iranian side, Abbas Araghchi represents the 'diplomatic face' of a regime trying to balance its ideological commitments with economic survival. Then there is the Lebanese Army, led by Joseph Aoun, which finds itself in a precarious position: it must maintain national security, coordinate with UNIFIL, and navigate the minefield of domestic politics without appearing as a tool for foreign agendas.

Israel is also a silent but potent party. Any US-Iran understanding must satisfy Israel's security requirements regarding its northern border. The '1701+ agreement' currently being floated involves a withdrawal of heavy weaponry 7 to 10 kilometers from the Blue Line. The success of this hinges on the LAF's ability to deploy effectively—a task that requires massive logistical support, which was likely a topic of the Araghchi-Aoun discussion, albeit from the perspective of 'regional approval' for such a move.

Position and Analysis

From a critical standpoint, the 'Washington-Tehran understanding' is a double-edged sword for Lebanon. While it promises a halt to the slaughter and destruction, it reinforces the narrative that Lebanon is a 'secondary state' whose fate is decided in foreign capitals. The fact that the Iranian Foreign Minister calls the Army Commander to discuss a deal with Washington—bypassing the traditional political channels—is a stark admission of the collapse of Lebanon's sovereign political class. It is a 'Peace of the Powerful' imposed on a weakened nation.

My analysis suggests that we are witnessing the 'professionalization of the crisis.' The international community has given up on Lebanese politicians and is now dealing directly with the military as the sole executive power. This 'military-diplomatic' path may secure the borders, but it risks creating a 'security-first' state at the expense of democratic reform. Lebanon is being offered a choice: a stable cage under regional supervision or continued chaos. The Araghchi-Aoun call is the first brick in the wall of this new regional order, where pragmatism trumps resistance, and deals are signed in blood and ink far from the shores of Beirut.

📊
هل تعتقد أن التفاهم الأمريكي-الإيراني سيؤدي فعلياً إلى انتخاب رئيس جديد للبنان؟

المصدر: عالم محير٨٣abuomer83.com

إرسال تعليق

0 تعليقات