الجنرال عون يبارك «تفاهم الضرورة»: هل بات استقرار لبنان رهينة الحقائب الدبلوماسية بين واشنطن وطهران؟
في خطوة تعكس عمق الارتباط بين الملفات الإقليمية، أعلن قائد الجيش اللبناني العماد جوزيف عون ترحيبه بمذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية، معتبراً إياها طوق نجاة لوقف التصعيد في بلد يترنح على حافة الهاوية. فهل يمثل هذا التفاهم استقراراً مستداماً أم مجرد مسكنات مؤقتة بانتظار العاصفة القادمة؟
خلفية الحدث: الفراغ القاتل ودور المؤسسة العسكرية
يعيش لبنان منذ انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون في أكتوبر 2022 حالة من الشلل السياسي التام، حيث فشل البرلمان في انتخاب رئيس للجمهورية لأكثر من 13 جلسة متتالية. في ظل هذا الفراغ، برز اسم العماد جوزيف عون، قائد الجيش اللبناني، ليس فقط كمسؤول أمني، بل كفاعل سياسي واجتماعي يحظى بثقة دولية واسعة، خاصة من الولايات المتحدة وفرنسا. يأتي تصريحه الأخير حول مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية في وقت حساس للغاية، حيث تقف البلاد على فوهة بركان نتيجة التوترات الحدودية المستمرة منذ عملية «طوفان الأقصى» وتداعياتها الإقليمية.
من الناحية التاريخية، غالباً ما كانت التفاهمات بين واشنطن وطهران تنعكس فوراً على الساحة اللبنانية، سواء سلباً أو إيجاباً. التقرير الذي أشار إليه العماد عون يتحدث عن تفاهمات غير معلنة تم التوصل إليها عبر وسائط في مسقط والدوحة، تهدف إلى خفض التصعيد مقابل تسهيلات مالية لإيران. بالنسبة للجيش اللبناني، الذي يعتمد في ميزانيته بشكل كبير على المساعدات الخارجية (أبرزها حزمة الـ 72 مليون دولار الأمريكية كدعم مباشر للرواتب)، فإن أي استقرار إقليمي يعني استمرار تدفق هذا الدعم وضمان عدم انزلاق البلاد نحو حرب شاملة قد لا تقوى المؤسسة العسكرية على احتوائها في ظل الانهيار الاقتصادي.
تُشير الإحصائيات إلى أن الليرة اللبنانية فقدت قيمتها بمعدلات تضخم تجاوزت 200% في العام الماضي، مما جعل راتب الجندي اللبناني لا يتجاوز الـ 100 دولار في أحسن الأحوال قبل المساعدات القطرية والأمريكية. لذا، فإن ترحيب قيادة الجيش بتضمين لبنان في جهود وقف التصعيد هو في جوهره «بيان بقاء» لمؤسسة تحاول الحفاظ على تماسك ما تبقى من هيكل الدولة اللبنانية المتهالك.
أبعاد التفاهم: صفقة الظل وتبريد الساحات
مذكرة التفاهم المشار إليها لا تُعد معاهدة رسمية موقعة بالمعنى الكلاسيكي، بل هي «خارطة طريق» لخفض التوتر. تتضمن بنودها الأساسية تقليص إيران لنسب تخصيب اليورانيوم (لتبقى دون مستوى 60%)، مقابل السماح لها بالوصول إلى نحو 6 مليارات دولار من أموالها المجمدة في كوريا الجنوبية، والتي نُقلت إلى حسابات في قطر لأغراض إنسانية. البعد اللبناني في هذا التفاهم يتمثل في «قواعد الاشتباك» على طول الخط الأزرق (الحدود الجنوبية). واشنطن تضغط لضمان عدم توسع رقعة الصراع، وطهران، عبر حلفائها، تبدي مرونة تكتيكية لضمان عدم خسارة مكتسبات استراتيجية في لبنان وسوريا.
يرى المحللون في «عالم محير٨٣» أن تضمين لبنان في هذه المذكرة يعكس اعترافاً أمريكياً بأن استقرار بيروت هو مفتاح لمنع حريق إقليمي شامل. وتبرز هنا أسماء فاعلة مثل الوسيط الأمريكي عاموس هوكشتاين، الذي قاد مفاوضات ترسيم الحدود البحرية في 2022، والذي لا يزال يعمل كقناة اتصال غير مباشرة لترتيب تفاهمات برية مماثلة. إن تضمين لبنان في هذه التفاهمات يعني عملياً تجميد الصراع المسلح عند مستويات مسيطر عليها، مما يمنح القوى السياسية اللبنانية فرصة (ضائعة حتى الآن) لترتيب البيت الداخلي.
علاوة على ذلك، فإن البعد الاقتصادي حاضر بقوة؛ فلبنان يأمل في بدء عمليات التنقيب الجدي في «البلوك رقم 9» و«البلوك رقم 4». الاستثمارات التي تقودها شركة «توتال إنيرجي» و«إيني» لا يمكن أن تستمر في بيئة مهددة عسكرياً. لذا، فإن التفاهم الإيراني الأمريكي يمثل «بوليصة تأمين» مؤقتة لشركات النفط العالمية للعمل في شرق المتوسط دون الخوف من استهداف المنصات أو تعطيل الإمدادات، وهو ما يفسر الاهتمام البالغ من قبل قيادة الجيش بهذا الملف.
التداعيات: استقرار هش أم تمهيد للحل؟
تتعدد التداعيات المحتملة لهذا التفاهم على الداخل اللبناني، وأولها هو التأثير المباشر على ملف رئاسة الجمهورية. يرى البعض أن التبريد الإقليمي قد يمهد الطريق لـ «رئيس توافقي» يحظى بمباركة واشنطن وطهران، وربما يكون العماد جوزيف عون نفسه هو الخيار الأبرز كونه الشخصية التي أثنت على التفاهم وحافظت على شعرة معاوية مع الجميع. ومع ذلك، هناك خشية من أن يكون هذا التفاهم مجرد «تأجيل للأزمة» وليس حلاً لها، حيث تظل القضايا البنيوية مثل سلاح حزب الله، وإصلاح النظام المصرفي، والفساد المستشري دون علاج حقيقي.
على الصعيد الأمني، تعني هذه التفاهمات تعزيز دور قوات «اليونيفيل» والجيش اللبناني في الجنوب، وتطبيقاً ضمنياً للقرار الأملي 1701، ولكن بصيغة «اللاحرب واللاسلم». الأرقام الصادرة عن الأمم المتحدة تشير إلى وجود أكثر من 10,000 جندي دولي في الجنوب، وتنسيقهم مع الجيش اللبناني هو الضمانة الوحيدة لمنع الاحتكاكات المباشرة. التداعيات تشمل أيضاً تخفيف الضغط الاقتصادي عبر السماح لبعض القنوات المالية بالعمل، مما قد يؤدي إلى استقرار نسبي في سعر صرف الدولار بالسوق السوداء الذي يتأرجح حالياً حول مستوى 89,000 ليرة.
لكن التداعيات الأخطر تكمن في تحول لبنان إلى «ورقة مقايضة» دائمة. فكلما تعثرت المفاوضات النووية، اشتعلت جبهة الجنوب، وكلما حدث تقارب، ساد الهدوء. هذا الارتباط العضوي يحرم الدولة اللبنانية من قرارها السيادي ويجعل مستقبل مواطنيها رهناً باتصالات تجري في عواصم بعيدة. الاستقرار الناتج عن هذه التفاهمات هو «استقرار بالإنابة»، حيث لا يملك اللبنانيون يداً في رسم ملامحه أو ضمان استدامته إذا ما تغيرت الإدارة في واشنطن بعد انتخابات 2024.
الأطراف المعنية: خارطة المصالح المتقاطعة
تتوزع الأطراف المعنية بهذا التفاهم بين لاعبين دوليين وإقليميين ومحليين. واشنطن، تحت إدارة بايدن، تسعى جاهدة لتجنب أي تورط عسكري مباشر في الشرق الأوسط، خاصة مع استمرار الحرب في أوكرانيا والتنافس مع الصين. لبنان بالنسبة لها هو «إدارة أزمة» وليس حلها. أما طهران، فهي تسعى لكسر الحصار الاقتصادي الخانق، وتستخدم نفوذها في لبنان كأداة ضغط استراتيجية لتحسين شروط التفاوض. وبينهما، تلعب قطر وعُمان دور «ساعي البريد» الموثوق الذي ينقل الرسائل الحساسة ويصيغ التفاهمات اللفظية.
داخلياً، يعتبر حزب الله الطرف الأكثر تأثيراً؛ فهو الجناح العسكري الذي يمتلك القدرة على تفعيل أو تجميد جبهة الجنوب بناءً على رؤيته الاستراتيجية المرتبطة بمحور المقاومة. في المقابل، تحاول المعارضة اللبنانية (القوات اللبنانية، الكتائب، وبعض التغييريين) المطالبة بضمانات بأن لا يؤدي التفاهم الدولي إلى تسليم لبنان بالكامل للنفوذ الإيراني مقابل الهدوء. الجيش اللبناني يقف في الوسط، محاولاً الحفاظ على توازنه كحليف للغرب ومنسق أمني داخلي مع كافة القوى، بما فيها حزب الله، لضمان السلم الأهلي.
ولا يمكن إغفال الدور الفرنسي، حيث يحاول المبعوث الرئاسي جان إيف لودريان استثمار أي تقارب إقليمي لكسر الجمود الرئاسي. فرنسا ترى في لبنان منطقة نفوذ تاريخية، وتخشى من أن يؤدي انهيار الدولة إلى موجات هجرة غير شرعية ضخمة نحو أوروبا عبر البحر المتوسط. الأرقام تشير إلى وجود أكثر من 1.5 مليون نازح سوري في لبنان، وأي انفجار أمني سيعني كارثة إنسانية ستصل ارتداداتها إلى السواحل الأوروبية حتماً.
الموقف والتحليل: سيادة منقوصة في سوق النخاسة الدولية
بصفتنا في «عالم محير٨٣»، وبناءً على تقصي الحقائق والسياقات التاريخية، نرى أن تصريح العماد جوزيف عون، رغم دبلوماسيته، يمثل صرخة مكتومة تعبر عن واقع مرير. الحقيقة الصادمة هي أن لبنان فقد صبغة «الدولة» وتحول إلى «ساحة». إن الترحيب بتفاهم خارجي يقرر مصير الحرب والسلم في بلادك هو اعتراف ضمني بعجز المؤسسات الدستورية والسياسية عن ممارسة سيادتها. لبنان اليوم يُدار بـ «الريموت كنترول» من طهران وواشنطن، وما قاله عون هو مجرد قراءة لواقع الحال: نحن ننتظر فتات التفاهمات لنعيش يوماً آخر.
الرأي الجرئ هنا هو أن هذا التفاهم ليس سوى «هدنة هشة» لن تعيد إعمار الاقتصاد ولن تبني دولة قانون. إن الاعتماد على الخارج لتثبيت الاستقرار هو وصفة للفشل المستدام. فالأطراف الدولية التي تتفاوض اليوم، قد تتصادم غداً، وسيدفع لبنان الثمن مضاعفاً. الأرقام لا تكذب؛ فالدين العام الذي تجاوز 100 مليار دولار، والهجرة الجماعية للعقول اللبنانية (أكثر من 200 ألف مهاجر في عامين)، تؤكد أن الحلول المسكنة لم تعد تنفع. السيادة لا تُمنح بمذكرة تفاهم بين قوى كبرى، بل تُنتزع عبر إصلاحات جذرية وانتخابات حرة وبناء اقتصاد إنتاجي بعيداً عن صراعات المحاور.
في الختام، يبقى موقف قائد الجيش ذكياً من الناحية التكتيكية للحفاظ على مؤسسته، ولكنه يعكس مأساة وطن ينتظر «مذكرة تفاهم» أجنبية ليضمن عدم قصف مدنه. إن الاستحقاق الحقيقي ليس في ترحيب القادة بتفاهمات الخارج، بل في قدرتهم على فرض تفاهم لبناني-لبناني يعيد الاعتبار للدولة المغيبة. وبدون ذلك، سيبقى لبنان مجرد بند صغير في ذيل مفاوضات القوى الكبرى، يُباع ويُشترى وفقاً لمصالح لا علاقة لها بمصلحة المواطن اللبناني الذي يكافح لتأمين رغيف خبزه.
General Aoun Welcomes the 'Necessity Deal': Is Lebanon's Stability a Hostage to US-Iran Diplomacy?
In a move reflecting the deep interconnectedness of regional files, Lebanese Army Commander General Joseph Aoun welcomed the US-Iranian memorandum of understanding, viewing it as a lifeline for de-escalation. Does this agreement represent sustainable stability or merely a temporary sedative awaiting the next storm?
Background of the Event
Lebanon has been navigating a complex political and economic labyrinth since the end of President Michel Aoun's term in October 2022. Amidst a presidential vacuum that has lasted over 18 months, General Joseph Aoun, the Commander-in-Chief of the Lebanese Armed Forces (LAF), has emerged as a central figure. His recent statement regarding the US-Iran memorandum of understanding signals a significant shift in regional dynamics. This MOU, which reportedly covers prisoner swaps, frozen assets, and regional de-escalation, places Lebanon at the heart of a broader geopolitical bargain aimed at cooling the 'hot zones' in the Middle East.
The context of this statement is deeply rooted in the historical role of the LAF as the sole remaining cohesive state institution. With the collapse of the Lebanese Lira—which lost over 95% of its value since 2019—and the paralysis of the executive branch, the military leadership often finds itself bridging the gap between local security needs and international diplomatic initiatives. The mention of Lebanon in a US-Iran understanding is not merely a courtesy; it is a recognition of Lebanon's precarious position on the frontlines of the Iran-Israel shadow war.
Dimensions of the Understanding
The MOU between Washington and Tehran is not a formal treaty but a series of 'unwritten understandings' facilitated by mediators in Oman and Qatar. Key components include Iran's commitment to slowing its uranium enrichment and curbing attacks by its regional proxies in exchange for the release of billions of dollars in frozen funds. For Lebanon, the dimension is primarily security-related. It involves maintaining the 'rules of engagement' along the Blue Line, where Hezbollah and Israel have been engaged in calibrated but dangerous skirmishes since late 2023.
Implications and Strategic Impact
The primary implication for Lebanon is the potential for a prolonged period of 'frozen conflict.' This provides a much-needed breathing space for the Lebanese Army to maintain internal security without the constant threat of a total regional war. However, the economic implications are equally vital. Stability is the prerequisite for any potential investment in the maritime gas fields, specifically the Qana field, which was part of the 2022 US-mediated maritime border deal. Without a reduction in US-Iran tensions, Lebanon's dreams of becoming an energy producer remain stalled.
Concerned Parties
The primary actors are the Biden administration, seeking regional calm before the 2024 elections, and the Iranian leadership, looking for sanctions relief to stabilize its domestic economy. Locally, Hezbollah remains the most significant non-state actor whose actions are directly influenced by Tehran's strategic calculations. The Lebanese Army, under General Aoun, serves as the guarantor of this fragile peace, receiving millions in aid from the US and Qatar to keep its soldiers fed and operational.
Position and Analysis
Our analysis at 'Alam Moheer 83' suggests that while General Aoun's optimism is pragmatically justified, it masks a painful reality: Lebanese sovereignty has become a secondary concern in a grand regional auction. The 'de-escalation' is a tactical pause rather than a strategic resolution. Lebanon is being treated as a geographic buffer rather than a sovereign state. True stability cannot be imported via foreign memorandums; it must be built through internal reform and the restoration of state institutions, something that foreign deals often delay by emboldening the existing corrupt political class.
المصدر: عالم محير٨٣ — abuomer83.com
0 تعليقات