عودة «الكيزان» من بوابة البارود: السودان يتحول إلى المعقل الأخير لتنظيم الإخوان المسلمين
بينما يتهاوى نفوذ الإخوان في عواصم عربية عدة، يبرز السودان كملاذ أخير وميدان للعودة عبر تحالفات عسكرية معقدة؛ فهل نجحت الحرب في منح «الكيزان» فرصة للحياة بعد ثورة أطاحت بهم؟
خلفية الحدث: انبعاث «الفينيق» من تحت رماد الثورة
لم يكن سقوط نظام عمر البشير في 11 أبريل 2019 مجرد تغيير في هرم السلطة، بل كان زلزالاً ضرب أركان تنظيم الإخوان المسلمين في السودان، الذي حكم البلاد بقبضة حديدية لثلاثة عقود منذ انقلاب عام 1989. وعلى الرغم من حل حزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك ومصادرة أصوله عبر «لجنة تفكيك التمكين»، إلا أن بنية التنظيم العميقة ظلت متجذرة داخل مفاصل الدولة، وخاصة في الأجهزة الأمنية والعسكرية. كانت الفترة الانتقالية (2019-2021) بمثابة حرب استنزاف بين القوى المدنية والمكون العسكري، حيث سعى الإسلاميون طوال تلك الفترة لزعزعة الاستقرار لإثبات فشل النموذج الديمقراطي.
جاء انقلاب 25 أكتوبر 2021 ليكون بمثابة القبلة التي أعادت الحياة لرموز النظام القديم، حيث بدأت عمليات إلغاء قرارات لجنة التفكيك وإعادة «الكيزان» (وهو المصطلح الشعبي للإسلاميين في السودان) إلى وظائفهم في القضاء والخارجية والبنك المركزي. ومع اندلاع شرارة الحرب في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وجد التنظيم ضالته في الفوضى. تحولت الحرب من صراع على السلطة بين جنرالين إلى «معركة كرامة» في نظر الإسلاميين، الذين رأوا فيها فرصة ذهبية لغسل تاريخهم والعودة إلى المشهد كحماة للوطن والمؤسسة العسكرية.
أبعاد الحدث: مأسسة «المقاومة الشعبية» وكتائب الظل
تتجاوز أبعاد الوجود الإخواني في السودان حالياً مجرد الدعم السياسي؛ إذ انتقل التنظيم إلى الميدان العسكري بشكل علني وممنهج. تبرز «كتيبة البراء بن مالك» كأحد أهم الأذرع العسكرية للإسلاميين التي تقاتل تحت لواء القوات المسلحة. هذه الكتيبة، التي تضم آلاف المقاتلين العقائديين، أصبحت تلعب دوراً محورياً في معارك الخرطوم وأم درمان، وظهر قادتها في مقاطع فيديو وهم يتلقون الإشادة من قيادات عليا في الجيش. هذا البعد العسكري خلق حالة من «الاعتماد المتبادل»؛ فالبرهان بحاجة إلى مقاتلين ذوي عقيدة قتالية صلبة لتعويض النقص في المشاة، والإسلاميون بحاجة إلى غطاء الجيش للعودة إلى السلطة.
البعد الآخر يتمثل في سيطرة كوادر النظام السابق على الماكينة الإعلامية والبروباغندا المرافقة للحرب. يتم حالياً تسويق خطاب قومي متطرف يمزج بين «حب الجيش» و«كراهية القوى المدنية»، حيث يتم تخوين كل من ينادي بوقف الحرب أو العودة للمسار الديمقراطي، ووصفهم بـ«جناح سياسي للمتمردين». هذا الاستقطاب الحاد أدى إلى شل قدرة المجتمع المدني على التحرك، وحوّل الساحة السياسية إلى ثنائية صفرية: إما الانتظام مع الجيش (وبالتالي الإسلاميين) أو تصنيفك كخائن. ووفقاً لتقارير استخباراتية، فإن كوادر الأمن الشعبي (الجهاز السري للإخوان) باتت تشرف على غرف عمليات سيبرانية تدير هذا المحتوى بدقة متناهية.
تداعيات الحدث: السودان في مواجهة العزلة والتمزق
تلقي العودة القوية للإخوان بظلالها القاتمة على مستقبل السودان واستقراره الإقليمي. أولاً، على الصعيد الإنساني، أدت رغبة الإسلاميين في الحسم العسكري ورفضهم لأي تسوية سياسية إلى إطالة أمد النزاع، مما أسفر عن نزوح أكثر من 10 ملايين سوداني ومقتل ما لا يقل عن 15 ألف مدني بحسب إحصائيات الأمم المتحدة (وهي أرقام مرشحة للزيادة بشكل كبير). ثانياً، تسببت هذه العلاقة في تعقيد مسار المفاوضات الدولية؛ فمنبر «جدة» ومباحثات «المنامة» واجهت صعوبات بالغة بسبب ضغوط ما يُعرف بـ«جناح الحرب» داخل الجيش، وهو جناح يأتمر بأمر القيادات الإسلامية التي تخشى أن أي اتفاق سلام سيؤدي بالضرورة إلى إبعادها عن المشهد مرة أخرى.
أما إقليمياً، فإن تنامي نفوذ الإخوان في السودان يثير قلق دول الجوار، وخاصة مصر ودول الخليج، التي ترى في عودة التنظيم تهديداً لأمنها القومي واستقرار المنطقة. هذا التوجس قد يؤدي إلى إحجام هذه الدول عن تقديم الدعم الاقتصادي أو الدبلوماسي الكامل للبرهان، مما يدفع الأخير لمزيد من الارتماء في أحضان التنظيم أو البحث عن تحالفات مع أطراف إقليمية أخرى مثل إيران، وهو ما بدأ يظهر بالفعل في تقارير عن وصول طائرات «مهاجر-6» المسيرة للجيش السوداني. السودان الآن مهدد بأن يصبح «جزيرة معزولة» تحكمها عقلية أمنية عقائدية في محيط يرفض هذا التوجه.
الأطراف المعنية: خارطة النفوذ وصناع القرار
تتشكل الخارطة المعقدة من أربعة أقطاب رئيسية؛ القطب الأول هو الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي يبدو كرهينة لضرورات الحرب وتحالفاته الاضطرارية. البرهان يدرك أن فك الارتباط مع الإسلاميين في هذه اللحظة قد يؤدي إلى انهيار جبهته الداخلية، خاصة وأنهم يسيطرون على مفاصل حيوية في الاستخبارات العسكرية. القطب الثاني هو علي كرتي، الأمين العام للحركة الإسلامية ووزير الخارجية الأسبق، الذي يدير المشهد من خلف الستار. كرتي، المطلوب دولياً والمفروض عليه عقوبات أمريكية منذ سبتمبر 2023، يُعتبر العقل المدبر لعمليات التعبئة والتحشيد العسكري والسياسي تحت شعار «المقاومة الشعبية».
على الجانب الآخر، تبرز قوات الدعم السريع كطرف مباشر، يستغل وجود الإخوان لتبرير انتهاكاته وتسويق نفسه للغرب كقوة تقاتل «الإرهاب الإسلاموي». أما الطرف الرابع فهو تحالف القوى المدنية «تقدم» بقيادة عبد الله حمدوك، الذي يجد نفسه في أضعف حالاته، حيث يتم استهدافه إعلامياً وقانونياً من قبل السلطات في بورتسودان (العاصمة الإدارية الحالية). وفي ظل غياب إرادة دولية حاسمة، يبقى الشعب السوداني هو الطرف الأكثر تضرراً، حيث تُسحق أحلام ثورة ديسمبر تحت أقدام التحالف الجديد بين «البزة العسكرية» و«العمامة الإخوانية».
الموقف والتحليل: مقامرة البرهان وتشييع جنازة الديمقراطية
من وجهة نظر تحليلية دقيقة، يمكن القول إن السودان يشهد حالياً عملية «اختطاف للدولة» تحت ستار الشرعية العسكرية. إن اعتماد البرهان على الإسلاميين ليس مجرد تكتيك عسكري عابر، بل هو استراتيجية بقاء حولت الجيش السوداني من مؤسسة وطنية إلى حاضنة لمشروع سياسي هزمته الجماهير في الشوارع عام 2019. الحقائق الميدانية تؤكد أن «الكيزان» نجحوا في تحويل الحرب إلى وسيلة «للتطهير السياسي»، حيث يتم استهداف الناشطين ولجان المقاومة تحت ذريعة مساندة التمرد، مما يعني عملياً تصفية مكتسبات الثورة السودانية.
إن الرأي الجريء الذي يجب مواجهته هو أن استمرار هذا التحالف سيقود السودان حتماً نحو سيناريو «الصوملة» أو التقسيم. الإسلاميون لا يملكون مشروعاً لبناء الدولة، بل يملكون شهوة للاستحواذ عليها، وهم مستعدون لإحراق ما تبقى من السودان مقابل عدم المحاسبة على جرائم الماضي. إذا لم ينجح البرهان في فك هذا الارتباط الانتحاري، فإن التاريخ سيسجل أنه الجنرال الذي سلم مفاتيح بلاده لتنظيم لفظته المنطقة بأكملها، ليصبح السودان هو الثقب الأسود الذي يبتلع آمال الاستقرار في القارة الأفريقية. إن عودة الإخوان ليست انتصاراً للجيش، بل هي أكبر تهديد لوحدته وتماسكه مستقبلاً.
The Return of the 'Kizan' via Gunpowder: Sudan as the Final Stronghold for the Muslim Brotherhood
As the Muslim Brotherhood's influence wanes in several Arab capitals, Sudan emerges as a final sanctuary and a field for a comeback through complex military alliances. Has the war successfully granted the 'Kizan' a second lease on life after a revolution that once ousted them?
Background: The Phoenix from the Ashes
The Sudanese Islamic movement, known locally as the 'Kizan', ruled Sudan for thirty years under Omar al-Bashir after the 1989 coup. When the December 2018 revolution erupted, leading to Bashir's ouster in April 2019, many believed the group's political life had ended. However, the deep state remained entrenched within the security and military apparatus. The transition period was marred by tension between civilian forces and the military, culminating in the October 2021 coup, which many analysts saw as the first step in the Islamists' rehabilitation into the state structure.
The conflict that broke out on April 15, 2023, between the Sudanese Armed Forces (SAF) led by Al-Burhan and the Rapid Support Forces (RSF) led by Hemedti, served as a decisive turning point. For the Islamists, this was not just a war between two generals, but an existential battle to reclaim their lost influence and punish the civilian forces that sought to dismantle their economic and political empire.
Dimensions: The Militarization of Ideology
The most significant dimension of this resurgence is the direct military involvement of Islamist militias, such as the 'Al-Baraa bin Malik' Brigade. These groups are fighting alongside the SAF, providing motivated cadres and ideological fervor that the regular army occasionally lacks in urban warfare. This has created a symbiotic relationship where Al-Burhan relies on their numbers and loyalty, while the Islamists use the war to re-legitimize their presence as 'defenders of the state'.
Furthermore, the media landscape has been dominated by voices aligned with the former regime, framing the war as a struggle against foreign intervention and 'janjaweed' mercenaries. This narrative effectively bridges the gap between the military institution and the remnants of the National Congress Party (NCP), making it increasingly difficult to separate the army's leadership from the Islamist political agenda.
Consequences: A Long War and Regional Isolation
The reintegration of the Brotherhood into the Sudanese power structure has severe consequences. Domestically, it complicates any potential peace process. The 'Jeddah' and 'Manama' talks have faced hurdles partly because the Islamist elements within and around the SAF reject any settlement that excludes them or leads to a democratic transition. This zero-sum mentality threatens to turn Sudan into a failed state characterized by perpetual conflict.
Regionally, the Brotherhood's presence in the SAF's inner circle alienates several neighboring countries and international partners who view the group as a destabilizing force. This could lead to further isolation of the Sudanese government, making reconstruction and economic recovery nearly impossible in the near future. The humanitarian cost is already staggering, with over 10 million people displaced and thousands killed since the onset of hostilities.
Concerned Parties: The Power Triangle
The primary actors in this unfolding drama include General Abdel Fattah al-Burhan, who finds himself walking a tightrope between professional military duties and the necessity of Islamist support. On the other side is Ali Karti, the Secretary-General of the Islamic Movement, who is widely seen as the architect of the group's current strategy from his undisclosed location. Karti remains under international sanctions, yet his influence over the SAF's decision-making process is palpable.
Opposing this bloc is the RSF, which uses the 'Islamist threat' as a propaganda tool to gain international sympathy, claiming they are fighting a war against 'radicals'. Meanwhile, the civilian 'Tagaddum' coalition finds itself marginalized, caught between the hammer of the RSF's atrocities and the anvil of the SAF-Islamist alliance. The international community, led by the US and the African Union, struggles to find a middle ground in a landscape where ideological polarization has replaced political discourse.
Position and Analysis: The Dangerous Gamble
From a fact-based analytical perspective, Al-Burhan’s reliance on the Muslim Brotherhood is a dangerous gamble that may save his position in the short term but will likely destroy the Sudanese state in the long run. By allowing the 'Kizan' to infiltrate the 'Popular Resistance' and the army's command structure, the SAF is effectively ceding its professional identity to an ideological movement that has historically prioritized its own survival over the nation's welfare.
The bold truth is that the 2019 revolution was not just about removing Bashir, but about dismantling the system he built. The current war is being used as a 'counter-revolution' vehicle. For Sudan to achieve peace, there must be a clear separation between the military institution and all political groups. However, with Islamist cadres now deeply embedded in the trenches of Khartoum and Omdurman, the prospect of a 'civilian-led' Sudan seems further away than ever, as the country risks becoming a permanent base for a movement that the rest of the Arab world has largely rejected.
المصدر: عالم محير٨٣ — abuomer83.com
0 تعليقات