مقامرة غروسي الأخيرة: هل تنقذ 'الوساطة الفنية' الاتفاق النووي من حافة الهاوية أم أنها مجرد سراب دبلوماسي؟
بينما تتصاعد وتيرة التخصيب الإيراني إلى مستويات حرجة، يعرض رافائيل غروسي خدمات الوكالة الدولية كجسر أخير بين واشنطن وطهران. هذا المقال يحلل ما إذا كانت الوكالة تملك فعلياً أدوات الضغط أم أنها تحاول فقط حجز مقعد في قطار تسوية قد لا يغادر المحطة أبداً.
خلفية الحدث: من بروتوكول 2015 إلى حافة التخصيب الحرج
تعود جذور الأزمة الحالية إلى انسحاب الولايات المتحدة أحادياً في مايو 2018 من الاتفاق النووي (JCPOA) الذي وُقّع في عهد إدارة أوباما عام 2015. هذا الانسحاب لم يؤدِ فقط إلى إعادة فرض عقوبات اقتصادية خانقة على طهران، بل دفع الأخيرة إلى التحلل التدريجي من التزاماتها التقنية. اليوم، ووفقاً لتقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأخيرة لعام 2024، تمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% يتجاوز 142 كيلوغراماً، وهي نسبة تقترب بشكل خطر من عتبة الـ 90% المطلوبة لإنتاج سلاح نووي، مما يجعل الفجوة الزمنية لإنتاج قنبلة (Breakout time) تتقلص إلى أسابيع قليلة.
في هذا السياق، يأتي تصريح رافائيل غروسي، المدير العام للوكالة، ليعيد التذكير بأن الوكالة ليست مجرد 'شرطي مراقبة'، بل هي المؤسسة الوحيدة القادرة قانوناً وتقنياً على تقديم ضمانات بأن البرنامج الإيراني يظل سلمياً. غروسي، الذي زار طهران عدة مرات في محاولة لترميم اتفاقية الضمانات، يدرك أن الوكالة فقدت الكثير من قدرتها على الوصول إلى المنشآت الحساسة منذ عام 2021، حين أوقفت إيران العمل بالبروتوكول الإضافي، مما خلق 'فجوة معلوماتية' تسعى الوكالة الآن لسدها من خلال هذا العرض الدبلوماسي الجديد.
تاريخياً، لعبت الوكالة دوراً محورياً في التحقق من نزع السلاح في دول مثل جنوب أفريقيا وليبيا، لكن الحالة الإيرانية تمثل التحدي الأكبر في تاريخ المنظمة الممتد لـ 67 عاماً. إن إعلان الاستعداد للوساطة ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو رد فعل على انسداد المسارات الدبلوماسية التقليدية في فيينا، ومحاولة لاستباق أي تصعيد قد يخرج عن السيطرة في ظل التوترات المتزايدة في الشرق الأوسط.
أبعاد الحدث: التحقق التقني في مواجهة الإرادة السياسية
تتجاوز 'الوساطة' التي يعرضها غروسي حدود تركيب الكاميرات أو فحص الأختام؛ إنها تتضمن عملية معقدة لإعادة بناء 'خط الأساس' للبرنامج النووي الإيراني. الأبعاد التقنية هنا تشمل التحقق من إنتاج أجهزة الطرد المركزي المتطورة (من طراز IR-6) التي تم نقلها إلى منشآت تحت الأرض في 'فوردو' و'نطنز'. الوكالة تريد التأكد من أن كل غرام من اليورانيوم مخصب يتم تعقبه بدقة، وهو أمر يتطلب وصولاً غير مشروط، وهو ما ترفضه طهران حتى الآن دون 'ثمن سياسي' يتمثل في إغلاق ملف 'المواقع غير المعلنة' التي عُثر فيها على آثار يورانيوم قبل سنوات.
البعد الآخر هو 'دبلوماسية الوكالة'. غروسي يحاول تحويل الوكالة من منظمة فنية تابعة للأمم المتحدة إلى طرف مفاوض نشط. هذا التحول يثير حفيظة بعض القوى الدولية التي ترى أن الوكالة يجب أن تكتفي برفع التقارير لا أن تتدخل في صياغة الصفقات. ومع ذلك، يدرك غروسي أن أي اتفاق بين واشنطن وطهران لن يكون له قيمة قانونية أو دولية دون 'ختم المصادقة' من الوكالة، مما يجعل 'الاستعداد للمساعدة' ورقة ضغط يلوح بها غروسي أمام الطرفين لضمان استقلالية منظمته.
أيضاً، هناك بعد يتعلق بالتكنولوجيا الحديثة في الرقابة؛ فالوكالة تسعى لاستخدام تقنيات مراقبة فورية (On-line monitoring) تسمح بنقل البيانات مباشرة إلى فيينا، وهو ما تعتبره إيران انتهاكاً لسيادتها وأمنها القومي. لذا، فإن التفاوض على 'كيفية التحقق' هو في جوهره تفاوض على 'حدود السيادة الإيرانية' مقابل 'الشفافية الدولية'.
التداعيات: استقرار الإقليم ومستقبل معاهدة حظر الانتشار
تتعدى تداعيات هذا الخبر حدود المختبرات النووية لتصل إلى أسواق النفط وتوازنات القوى الإقليمية. إذا نجحت الوكالة في لعب دور الوسيط ووصل الطرفان إلى 'اتفاق تقني' للتحقق، فقد يؤدي ذلك إلى تهدئة فورية في أسعار الطاقة العالمية، حيث سيعطي إشارة للأسواق باحتمالية عودة النفط الإيراني بالكامل. في المقابل، فإن فشل هذه الوساطة يعني انتقال الملف النووي من أروقة الوكالة في فيينا إلى مجلس الأمن الدولي في نيويورك، مما قد يمهد لتفعيل آلية 'الزناد' (Snapback) وإعادة فرض كافة العقوبات الأممية.
على الصعيد الإقليمي، تراقب إسرائيل هذا التحرك بعين الريبة. فالموقف الإسرائيلي الرسمي يعتبر أن أي 'اتفاق تحقق' لا يشمل تدمير البنية التحتية النووية هو مجرد 'شرعنة' لوصول إيران إلى حافة القنبلة. هذا قد يدفع إسرائيل إلى اتخاذ خطوات أحادية إذا شعرت أن وساطة غروسي توفر غطاءً دبلوماسياً لإيران للمماطلة. في المقابل، ترى دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، أن وجود رقابة صارمة وشاملة من الوكالة هو الضمانة الوحيدة لمنع سباق تسلح نووي في المنطقة.
أما التداعيات الدولية، فتتمثل في مستقبل معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT). فإذا تمكنت إيران من الوصول إلى وضع 'دولة على العتبة النووية' تحت بصر الوكالة دون رادع، فإن ذلك سيوجه ضربة قاضية لمصداقية المعاهدة، وسيشجع دولاً أخرى في آسيا والشرق الأوسط على سلوك نفس المسار، مما يحول النظام الدولي إلى غابة نووية لا تخضع لقانون.
الأطراف المعنية: مصالح متضاربة على طاولة واحدة
تتمثل الأطراف المعنية في هذا المشهد في مثلث معقد: واشنطن، طهران، والوكالة الدولية، مع وجود أطراف ظل مؤثرة. إدارة بايدن (أو أي إدارة أمريكية قادمة) تجد نفسها محاصرة بين الرغبة في تجنب حرب جديدة في الشرق الأوسط وبين ضغوط الكونغرس التي ترفض أي تنازلات لإيران دون ضمانات 'أبدية'. واشنطن تنظر إلى عرض غروسي كـ 'مخرج طوارئ' يسمح لها بضبط البرنامج الإيراني تقنياً دون الحاجة إلى توقيع اتفاق سياسي كامل قد يواجه رفضاً تشريعياً.
من جهتها، إيران، بقيادة الرئيس الجديد مسعود بزشكيان ووزير خارجيته، تحاول استخدام 'التعاون مع الوكالة' كطعم لرفع العقوبات. لكن القرار النهائي يظل في يد المرشد الأعلى علي خامنئي والحرس الثوري، الذين يرون في كاميرات الوكالة 'أدوات تجسس' لصالح المخابرات الغربية. بالنسبة لطهران، الوساطة مقبولة فقط إذا أدت إلى إغلاق ملف التحقيقات في المواقع المشبوهة (مثل مريوان وورامين) نهائياً وبشكل غير قابل للفتح مجدداً.
أما الطرف الرابع، وهو الاتحاد الأوروبي (وخاصة فرنسا وألمانيا وبريطانيا - E3)، فيلعب دور 'المساند' لغروسي. هذه الدول فقدت الأمل في إحياء اتفاق 2015 بشكله القديم، وهي ترى في 'وساطة الوكالة' الصيغة الوحيدة الممكنة لاتفاق 'مصغر' أو 'مؤقت' يمنع الانفجار. ولا ننسى روسيا والصين، اللتين تدعمان غروسي لفظياً، لكنهما تستخدمان الملف النووي كورقة مساومة في صراعاتهما الأكبر مع الولايات المتحدة في أوكرانيا وبحر الصين الجنوبي.
الموقف والتحليل: المديح للتقنية.. واللعنة للسياسة
في 'عالم محير٨٣'، نرى أن عرض رافائيل غروسي هو 'مقامرة دبلوماسية' جريئة لكنها محفوفة باليأس. الحقيقة الصارخة التي يتجنب الجميع قولها هي أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية فقدت السيطرة فعلياً على البرنامج النووي الإيراني منذ فترة طويلة. إن عرض غروسي للوساطة ليس نابعاً من قوة الوكالة، بل من ضعف الخيارات الأخرى. نحن أمام حالة 'تطبيع مع الحقيقة النووية'؛ فالوكالة تحاول الآن إدارة 'إيران النووية' بدلاً من منعها.
رأينا الجريء والصريح هو أن غروسي يحاول إنقاذ سمعة منظمته من التهميش التام. فإذا نجحت إيران في تخصيب اليورانيوم لدرجة الأسلحة بينما غروسي يكرر 'استعداده للمساعدة'، ستصبح الوكالة مجرد شاهد زور دولي. التحليل العميق يشير إلى أن أي اتفاق 'تحقق' لن ينجح ما لم يعالج 'المعرفة النووية' التي اكتسبتها إيران؛ فالكاميرات يمكنها رصد اليورانيوم، لكنها لا تستطيع محو العلم النووي من عقول المهندسين الإيرانيين. لقد تجاوزت طهران مرحلة 'الاتفاق التقني'، وهي الآن تفرض 'أمراً واقعاً' سياسياً.
في الختام، إن وساطة الوكالة هي 'مسكن لآلام' أزمة تتطلب 'جراحة استئصال سياسية'. من غير المرجح أن تقبل واشنطن بضمانات غروسي وحدها دون تنازلات إيرانية في ملفات الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي، كما أن إيران لن تفتح أبواب منشآتها بالكامل مقابل وعود ورقية برفع العقوبات. نحن أمام 'سراب دبلوماسي' يستفيد منه الجميع لكسب الوقت، بينما تستمر أجهزة الطرد المركزي في الدوران بصمت، مقربةً العالم من لحظة الحقيقة التي لن تنفع معها تصريحات الوكالة أو وساطاتها.
Grossi's Final Gambit: Can 'Technical Mediation' Save the Nuclear Deal or Is It Just a Diplomatic Mirage?
As Iranian enrichment reaches critical levels, Rafael Grossi offers the IAEA's services as a final bridge between Washington and Tehran. This article analyzes whether the Agency truly possesses leverage or is merely trying to secure a seat on a settlement train that may never leave the station.
Background: From 2015 to the Current Brink
The Joint Comprehensive Plan of Action (JCPOA), signed in 2015, was intended to curb Iran's nuclear ambitions in exchange for sanctions relief. However, the 2018 withdrawal by the Trump administration triggered a systematic dismantling of the agreement's constraints. Today, the IAEA reports that Iran has surpassed enrichment levels of 60%, a short technical step from the 90% weapons-grade threshold. Rafael Grossi’s recent statements in late 2024 reflect an urgent need to re-establish the monitoring framework that has been largely blind since Iran restricted inspections in 2021.
Historically, the IAEA has acted as a technical auditor. However, the current geopolitical climate, exacerbated by regional conflicts and the shifting dynamics in Washington and Tehran, has forced Grossi to adopt a more proactive, almost diplomatic role. The Agency is no longer just reporting on centrifuges; it is actively campaigning to be the guarantor of a potential 'interim' or 'new' deal that prevents a total collapse of the non-proliferation regime in the Middle East.
Dimensions of the Proposed Verification
The proposed verification goes beyond simple camera maintenance. It involves a massive data-reconstruction effort to account for the gap in monitoring since February 2021. Grossi’s readiness implies a high-stakes technical operation: reinstating the 'Additional Protocol' and ensuring that the Agency can verify the peaceful nature of Iran’s entire nuclear cycle. This includes uranium mines, centrifuge production facilities, and heavy water research reactors.
Furthermore, the dimension of this readiness is tied to the 'freeze-for-freeze' concepts being floated in backchannel talks. For the IAEA to be a mediator, it must satisfy Iran's demand for technical impartiality while addressing the West's demand for 'anywhere, anytime' access. This creates a technical-political paradox where the Agency must prove its neutrality to a suspicious Tehran and its rigor to a skeptical U.S. Congress.
Regional and Global Implications
The implications of an IAEA-backed verification are profound for regional security. Israel, which has long viewed the JCPOA as insufficient, remains a wild card. If the IAEA fails to provide a 100% guarantee, the likelihood of a preemptive strike on Iranian facilities increases. Conversely, a successful verification regime could stabilize oil markets and reduce the risk of a nuclear arms race in the Gulf, where countries like Saudi Arabia have hinted at matching Iran’s capabilities if they go nuclear.
On a global scale, the success or failure of this verification mission will define the future of the Nuclear Non-Proliferation Treaty (NPT). If Iran becomes a 'threshold state' while the IAEA remains on the sidelines, the NPT loses its teeth. Grossi’s intervention is thus a fight for the very relevance of international institutions in a multipolar world where traditional diplomacy is increasingly sidelined by 'fait accompli' nuclear advancements.
The Key Stakeholders: Interests and Obstacles
The primary actors—the United States and Iran—are currently engaged in a complex dance of deniability. The Biden administration seeks a 'longer and stronger' deal but is constrained by domestic politics, while the new Iranian administration under Masoud Pezeshkian faces internal pressure from hardliners who view inspections as espionage. The IAEA sits in the middle, trying to offer a 'technical' solution to what is fundamentally a 'political' and 'security' problem.
Secondary actors like the E3 (France, Germany, UK) support Grossi's initiative but are increasingly wary of Iranian brinkmanship. Russia and China, while officially supporting the JCPOA, have used the nuclear file as a bargaining chip in their broader confrontations with the West. This fragmented landscape means that Grossi isn't just negotiating with two sides, but with a dozen conflicting agendas, each capable of vetoing the Agency's access.
Position and Critical Analysis
The IAEA’s offer to mediate is a bold move, but it carries a high risk of failure. From a critical perspective, Grossi is attempting to bridge a gap that is no longer technical but existential. The reality is that Iran has already mastered the nuclear fuel cycle; verification can no longer 'undo' the knowledge gained. Therefore, Grossi’s 'readiness' might be more about damage control—managing a 'threshold Iran'—than actually preventing a nuclear capability. It is a strategic pivot from 'prevention' to 'containment'.
The bold truth is that without a direct, comprehensive political settlement between Washington and Tehran, the IAEA's technical verification is a band-aid on a gunshot wound. The Agency risks becoming a tool for political stalling, where both sides use 'inspections disputes' to buy time. For Grossi’s mediation to work, the IAEA must move beyond its role as a referee and act as a technical guarantor with independent enforcement power—a status it currently lacks. Anything less is merely managing the countdown to a regional crisis.
المصدر: عالم محير٨٣ — abuomer83.com
0 تعليقات