هدنة مهتزة تحت نيران الغارات: هل يلفظ اتفاق وقف إطلاق النار أنفاسه الأخيرة في لبنان؟
رغم مرور أسبوع على اتفاق وقف إطلاق النار، الغارات الإسرائيلية تلاحق الجنوب والشرق اللبناني وردود حزب الله تعود للواجهة، فهل نحن أمام انهيار مبكر للاتفاق برعاية دولية؟
خلفية الحدث: اتفاق هش في مهب الريح
دخل اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل حيز التنفيذ في فجر يوم 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، بعد وساطة أمريكية-فرنسية مكثفة قادها المبعوث آموس هوكشتاين. اعتمد الاتفاق بشكل أساسي على ركائز القرار الأممي 1701، والذي يقضي بانسحاب قوات حزب الله إلى شمال نهر الليطاني، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية خلال فترة زمنية أقصاها 60 يوماً، مع تعزيز انتشار الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل في المنطقة الحدودية. ومع ذلك، لم تمر سوى ساعات قليلة حتى بدأت التقارير تتحدث عن خروقات متبادلة وضعت الاتفاق على المحك منذ يومه الأول.
تاريخياً، عانت الاتفاقات الحدودية بين الطرفين من ثغرات تنفيذية، لكن هذه المرة يبدو الوضع أكثر تعقيداً بسبب "ملحق التفاهمات" الذي تصر إسرائيل على أنه يمنحها حرية التحرك لضرب أي تهديد وشيك. ووفقاً لمصادر عسكرية لبنانية، فقد سجلت الأيام الثمانية الأولى أكثر من 150 خرقاً إسرائيلياً شملت غارات جوية، قصفاً مدفعياً، وتحليقاً مكثفاً للطائرات المسيرة في أجواء بيروت والجنوب والبقاع. في المقابل، يبرر الجيش الإسرائيلي هذه العمليات باستهداف تحركات مشبوهة لعناصر حزب الله أو محاولات لإعادة ترميم بنية تحتية عسكرية في مناطق محظورة بموجب الاتفاق.
إن المشهد الحالي يعكس صراع إرادات؛ فإسرائيل تريد فرض واقع أمني جديد بالقوة حتى تحت سقف الهدنة، بينما يحاول حزب الله إثبات وجوده وعدم التسليم المطلق بالانسحاب، مما يجعل المدنيين اللبنانيين العائدين إلى قراهم هم الضحية الأبرز في هذا التجاذب العسكري. اللجنة الخماسية المعنية بمراقبة التنفيذ، برئاسة الجنرال الأمريكي جاسبر جيفرز، بدأت عملها فعلياً وسط أكوام من الشكاوى المتبادلة، مما يبرز حجم الفجوة بين النص المكتوب والواقع الميداني المتفجر.
أبعاد التصعيد: من الجنوب إلى أعماق البقاع
لم تتوقف الغارات الإسرائيلية عند القرى الحدودية، بل امتدت لتشمل مناطق استراتيجية في بعلبك والهرمل (شرق لبنان) ومدينة النبطية (جنوباً). في 2 كانون الأول/ديسمبر، استهدفت طائرة مسيرة إسرائيلية آلية في منطقة مرجعيون، مما أدى لوفاة شخصين، وهو ما اعتبره الجانب اللبناني تصعيداً خطيراً يكسر قواعد الاشتباك المفترضة في الهدنة. الأبعاد الجغرافية لهذه الضربات تشير إلى رغبة إسرائيلية في شل قدرة الإمداد اللوجستية لحزب الله، ليس فقط في منطقة جنوب الليطاني، بل في كافة ممرات العبور الحيوية التي تربط لبنان بسوريا.
على الصعيد العملياتي، عاد حزب الله للرد باستهداف تجمعات للجيش الإسرائيلي في منطقة رويسات العلم وتلال كفرشوبا، واصفاً عملياته بأنها "رد دفاعي أولي وتحذيري" على الخروقات الإسرائيلية المستمرة. هذا البعد العسكري يؤكد أن "صمت المدافع" لم يتحقق فعلياً، بل تحول إلى اشتباكات منخفضة الوتيرة قد تتطور في أي لحظة إلى مواجهة شاملة إذا ما أخطأ أحد الطرفين في تقدير الحسابات. إن إصرار إسرائيل على استهداف طواقم الدفاع المدني والصحفيين، كما حدث في محيط بلدة الخيام، يضيف بعداً إنسانياً مأساوياً يزيد من تعقيد الموقف السياسي.
أما البعد السياسي لهذا التصعيد، فيرتبط مباشرة بالداخل الإسرائيلي؛ حيث يواجه بنيامين نتنياهو ضغوطاً هائلة من وزراء اليمين المتطرف، مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، الذين يعتبرون وقف إطلاق النار "خطأً تاريخياً". لذا، فإن استمرار الغارات قد يكون محاولة من نتنياهو لاسترضاء قاعدته الانتخابية والادعاء بأن يده لا تزال هي العليا، وهو ما ينسف جوهر الاتفاق القائم على حسن النوايا والرقابة الدولية الصارمة.
التداعيات: نزيف اقتصادي وجمود في العودة
تتمثل التداعيات الأكثر إلحاحاً في عرقلة عودة النازحين؛ فبالرغم من تدفق آلاف العائلات نحو الجنوب فور إعلان الهدنة، إلا أن الغارات المتكررة والتحذيرات الإسرائيلية للسكان بعدم التوجه إلى القرى الواقعة جنوب نهر الليطاني أدت إلى حالة من الذعر والارتباك. تشير الإحصائيات الأولية إلى أن أكثر من 1.2 مليون نازح لبناني يعيشون حالة من عدم اليقين، حيث أن العودة إلى بيوت مدمرة تحت أزيز الطائرات المسيرة لا تعني الاستقرار، بل تعني الانتقال من نزوح مكاني إلى نزوح أمني داخل القرى المتضررة.
اقتصادياً، يقدر البنك الدولي الخسائر المباشرة للبنان جراء الحرب الأخيرة بأكثر من 8.5 مليار دولار، ومع استمرار الخروقات، يتراجع أمل البدء في عملية إعادة الإعمار. المانحون الدوليون يرهنون تقديم المساعدات بوجود استقرار دائم، وهو ما يفتقده المشهد حالياً. كما أن استهداف المرافق العامة ومحطات المياه والكهرباء في الجنوب اللبناني، حتى بعد الاتفاق، يعطل عودة الحياة الطبيعية ويجعل تكلفة البقاء في القرى الحدودية باهظة جداً على السكان المحليين الذين فقدوا أراضيهم ومصادر رزقهم.
على الجانب الآخر، فإن استمرار التوتر يمنع سكان شمال إسرائيل (الجليل) من العودة إلى مستوطناتهم، وهو ما يمثل فشلاً ذريعاً لأحد الأهداف المعلنة للعملية العسكرية الإسرائيلية. هذا الجمود المتبادل يعني أن كلا المجتمعين لا يزالان يعيشان تحت ضغط الحرب، مما يزيد من الاحتقان الاجتماعي والسياسي ويجعل خيار العودة إلى القتال الشامل يبدو للبعض "أهون الشرين" لكسر حالة المراوحة الحالية.
الأطراف المعنية: تقاطع المصالح وتضارب الأجندات
تتعدد الأطراف الفاعلة في هذا المشهد المعقد، وعلى رأسها الحكومة اللبنانية التي تجد نفسها في موقف لا تحسد عليه؛ فهي مطالبة بفرض سيادتها عبر الجيش اللبناني (الذي بدأ بنشر لواءين إضافيين في الجنوب)، وفي الوقت ذاته تعجز عن لجم الغارات الإسرائيلية أو السيطرة الكاملة على تحركات حزب الله. الرئيس نبيه بري، الذي فوضه الحزب للتفاوض، يمارس ضغوطاً دبلوماسية عبر باريس وواشنطن لإلزام إسرائيل ببنود الاتفاق، محذراً من أن الصبر اللبناني له حدود.
في المقابل، يتحرك الجيش الإسرائيلي بتفويض مفتوح من القيادة السياسية لتنفيذ ما يسميه "تنظيف المنطقة". ويرى محللون عسكريون إسرائيليون أن الجيش يحاول استغلال فترة الـ 60 يوماً لتدمير ما تبقى من أنفاق ومخازن سلاح، مستغلاً بطء انتشار الجيش اللبناني. أما الولايات المتحدة، فهي الطرف الضامن والراعي، وتكثف اتصالاتها عبر السفيرة ليزا جونسون في بيروت لمنع انهيار الاتفاق قبل تسلم الإدارة الأمريكية الجديدة مهامها في كانون الثاني المقبل، حيث يمثل نجاح هذا الاتفاق إرثاً دبلوماسياً أخيراً لإدارة بايدن.
ولا يمكن إغفال دور قوات اليونيفيل، التي تحاول جاهدة الحفاظ على دورها الرقابي رغم التضييقات الميدانية. إن أي استهداف مباشر لهذه القوات أو تجاهل لدورها سيؤدي إلى تدويل الأزمة بشكل أكبر، مما قد يدفع بمجلس الأمن للتدخل بقرارات أكثر صرامة. الصراع الحالي ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل هو صراع على "تفسير النصوص"، حيث يرى كل طرف في الاتفاق ما يخدم مصالحه الاستراتيجية فقط.
الموقف والتحليل: الهدنة كاستراحة محارب لا كسلام دائم
بناءً على المعطيات الميدانية والسياسية، يمكن القول بصراحة وجرأة إن ما نعيشه اليوم في لبنان ليس "وقفاً نهائياً لإطلاق النار"، بل هو "هدنة تقنية" تفتقر إلى الثقة المتبادلة. إسرائيل تمارس سياسة "البلطجة الأمنية" عبر استهداف كل ما يتحرك في الجنوب بذريعة خرق الاتفاق، وهي بذلك تفرغ الاتفاق من مضمونه السيادي وتحوله إلى صك استسلام مقنع للجانب اللبناني. هذا السلوك الإسرائيلي ليس إلا محاولة لفرض "منطقة عازلة" بالنار، وهو ما لم تستطع تحقيقه بالكامل خلال التوغل البري.
من جهة أخرى، يخطئ من يظن أن حزب الله قد انتهى عسكرياً؛ فقدرته على إطلاق الصواريخ التحذيرية واستعادة زمام المبادرة الميدانية تشير إلى أنه لا يزال يحتفظ بهيكل تنظيمي قادر على المناورة. إن الحقيقة المرة هي أن الاتفاق صُمم ليكون "مسكناً للآلام" وليس علاجاً للمرض. إن غياب آلية عقوبات واضحة وصارمة ضد الطرف الذي يخرق الهدنة يجعل من لجنة المراقبة مجرد شاهد زور على تدمير ما تبقى من قرى الجنوب.
التحليل الموضوعي يفرض علينا القول إن الاتفاق يسير في حقل ألغام؛ فإما أن تنجح الضغوط الدولية في كبح جماح الغارات الإسرائيلية وفرض جدول زمني صارم للانسحاب، أو أننا سنشهد "انفجاراً كبيراً" يعيدنا إلى المربع الأول قبل نهاية الـ 60 يوماً. إن الرهان على الجيش اللبناني وحده كقوة فصل هو رهان محفوف بالمخاطر في ظل نقص الإمكانيات والغطاء الجوي. باختصار، السلام في لبنان لا يزال بعيد المنال، وما نراه الآن هو مجرد إعادة تموضع للقوى بانتظار العاصفة القادمة، ما لم يحدث خرق دبلومازي حقيقي يجبر إسرائيل على احترام سيادة لبنان وتوقف حزب الله عن استخدامه كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
Shaky Truce Under Fire: Is the Lebanon-Israel Ceasefire Near Collapse?
Despite a week passing since the ceasefire agreement, Israeli airstrikes continue to pound southern and eastern Lebanon, while Hezbollah resumes targeted responses, signaling a potential early collapse of the international deal.
Background of the Event
On November 27, 2024, a ceasefire agreement brokered by the United States and France officially took effect, aiming to end over 14 months of escalating hostilities between Israel and Hezbollah. The deal was built on the framework of UN Resolution 1701, requiring Hezbollah to withdraw its armed presence north of the Litani River and Israel to gradually withdraw its forces from Lebanese territory over a 60-day period. However, the first ten days have been marred by what Lebanon describes as 'hundreds of violations' and what Israel terms 'preventative actions' against perceived threats.
The current situation mirrors the fragility of previous middle-eastern truces. While the Lebanese army has begun deploying its troops to the south, the presence of Israeli drones and intermittent shelling has created a state of 'no-war, no-peace.' The monitoring committee, led by the United States and including France, has already received numerous complaints from both sides, highlighting the difficulty of implementing a complex withdrawal under fire.
Dimensions of the Conflict
The conflict has evolved from a direct military confrontation into a strategic battle over the 'freedom of action' claimed by Israel. Geographically, the strikes are no longer limited to the border strip; they have reached deep into the Bekaa Valley in eastern Lebanon and the outskirts of Nabatieh. Israel insists it retains the right to strike any Hezbollah movement that violates the buffer zone, while Lebanon views this as a blatant violation of national sovereignty and the spirit of the ceasefire.
Strategically, this escalation serves as a litmus test for the enforcement mechanism. If the monitoring committee fails to deter these violations, the entire 60-day transition period could collapse, leading to a wider regional conflagration. The humanitarian dimension is equally critical, as thousands of displaced Lebanese attempting to return to their homes in the south are being met with warning shots and targeted strikes, hindering the stabilization process.
Implications and Consequences
The immediate consequence of these ongoing strikes is the stagnation of the reconstruction process. With over 100,000 homes damaged or destroyed, international donors are hesitant to commit funds if the security situation remains volatile. Furthermore, the Lebanese economy, already in a state of freefall, cannot sustain a prolonged period of military uncertainty. On the Israeli side, the residents of the north remain skeptical about returning, as Hezbollah’s rockets, although fewer, still prove capable of reaching military gatherings.
Concerned Parties
The main actors are the Israeli government under Benjamin Netanyahu, which faces immense domestic pressure to ensure Hezbollah never returns to the border, and Hezbollah, which seeks to maintain its social and military relevance despite heavy leadership losses. The Lebanese government, represented by PM Najib Mikati and Speaker Nabih Berri, is caught between international obligations and the need to protect citizens. Lastly, the United States, through envoy Amos Hochstein, is working desperately to prevent the deal from unraveling before the transition of power in Washington.
Position and Analysis
From a critical perspective, this is not a traditional ceasefire but a 'managed escalation.' Israel is utilizing the 60-day window to dismantle any remaining infrastructure it missed during the active war phase, gambling that Hezbollah will not risk a full-scale return to war. This 'pre-emptive violation' strategy is dangerous. It undermines the credibility of the Lebanese Army and international mediators. For a lasting peace, the monitoring committee must move from passive observation to active enforcement, or this agreement will go down in history as a mere tactical pause for breath.
المصدر: عالم محير٨٣ — abuomer83.com
0 تعليقات