مثلث أربيل الصعب: هل ينجح مظلوم عبدي في مقايضة الولاء الأمريكي بوحدة كردية هشة؟
في خطوة دبلوماسية تحمل أبعاداً استراتيجية عميقة، كشف القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية عن لقاء ثلاثي في أربيل، يجمع بين طموحات 'قسد' وتوازنات إقليم كردستان والمصالح الأمريكية المتقلبة، فهل نحن أمام إعادة رسم لخارطة التحالفات في شرق الفرات؟
خلفية الحدث: لقاء الضرورة في توقيت حرج
لم يكن إعلان مظلوم عبدي، القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، عن لقائه برئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني والمبعوث الأمريكي، مجرد خبر بروتوكولي عابر. يأتي هذا اللقاء في ظل تعقيدات ميدانية وسياسية غير مسبوقة تشهدها مناطق شرق الفرات. فمنذ التدخل التركي في عملية 'نبع السلام' عام 2019، وما تبعها من تفاهمات هشة، تجد 'قسد' نفسها محاصرة بين فكي كماشة: التهديدات التركية المستمرة بشن عملية برية جديدة، وبين الضغوط الروسية-السورية لدفع الإدارة الذاتية نحو تسليم المناطق لدمشق. تاريخياً، شهدت العلاقة بين أربيل (المتمثلة في الحزب الديمقراطي الكردستاني) والقامشلي (المتمثلة في حزب الاتحاد الديمقراطي والمكونات المتحالفة معه) توترات أيديولوجية عميقة، وصلت أحياناً إلى حد إغلاق المعابر الحيوية مثل معبر 'سيمالكا'.
الولايات المتحدة، التي تحتفظ بنحو 900 جندي في قواعد موزعة بين الحسكة ودير الزور، تدرك أن استقرار هذه المنطقة يعتمد كلياً على 'التناغم الكردي-الكردي'. لذا، فإن حضور المبعوث الأمريكي (الذي أشارت إليه المصادر باسم توم باراك أو توم بيرييلو في سياقات مشابهة) يعكس رغبة واشنطن في إحياء 'اتفاق دهوك' لعام 2014، أو خلق صيغة جديدة تضمن عدم انهيار الجبهة الشرقية لسوريا. الأرقام تشير إلى أن 'قسد' تسيطر على مساحة تقدر بـ 50 ألف كيلومتر مربع، وهي مساحة تضم أغلب ثروات سوريا النفطية والزراعية، مما يجعل أي تفاهم سياسي في أربيل ذا أثر اقتصادي مباشر على ملايين السوريين في تلك المناطق.
أبعاد اللقاء: ما وراء الصور الرسمية
تتجاوز أبعاد هذا الاجتماع فكرة 'المصالحة الكردية' التقليدية لتصل إلى ملفات أمنية واستراتيجية شائكة. البعد الأول هو 'الملف الأمني المشترك'؛ حيث تواجه الإدارة الذاتية تحدي مخيم الهول الذي يضم أكثر من 43 ألف شخص، وسجون داعش التي تحوي قرابة 10 آلاف مقاتل متطرف. الولايات المتحدة تسعى لضمان تنسيق أمني عالي المستوى بين قوات 'البيشمركة' في الإقليم وقوات 'قسد' لمنع أي تسلل للعناصر الإرهابية عبر الحدود الطويلة التي تمتد لمئات الكيلومترات. هذا التنسيق يتطلب غطاءً سياسياً توفره أربيل، التي تمتلك علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية والدولية.
أما البعد الثاني فهو 'البُعد الطاقوي واللوجستي'. تعتمد مناطق الإدارة الذاتية بشكل شبه كامل على إقليم كردستان كمنفذ وحيد نحو العالم الخارجي في ظل إغلاق معبر 'اليعربية' بقرار دولي (فيتو روسي-صيني). لذا، فإن مناقشة تسيير القوافل التجارية وتصدير النفط الخام تعد حجر الزاوية في استمرار بقاء 'قسد' كقوة فاعلة على الأرض. تشير الإحصائيات غير الرسمية إلى أن التبادل التجاري عبر معبر 'فيش خابور' يمثل شريان الحياة الاقتصادي لمناطق شمال شرق سوريا، وأي توتر سياسي يعني خنقاً اقتصادياً فورياً قد يؤدي إلى انفجارات اجتماعية داخلية في دير الزور والرقة.
التداعيات: زلزال في أنقرة وترقب في دمشق
التداعيات المباشرة لهذا اللقاء ستظهر في ردود الفعل الإقليمية، وتحديداً في أنقرة. تركيا، التي تصنف 'قسد' كفرع سوري لحزب العمال الكردستاني المحظور، ترى في أي تقارب بين أربيل والقامشلي محاولة لشرعنة كيان كردي على حدودها الجنوبية. قد تلجأ تركيا لتصعيد عملياتها النوعية عبر الطائرات المسيرة، التي استهدفت خلال عام 2023 وحده أكثر من 100 موقع تابع للإدارة الذاتية، بما في ذلك منشآت حيوية للنفط والكهرباء. هذا اللقاء يضع نيجيرفان بارزاني في موقف حرج؛ فهو من جهة يسعى للاستجابة للمطلب الأمريكي بتوحيد الصف الكردي، ومن جهة أخرى يحرص على عدم استفزاز الجار التركي الذي يمثل الرئة الاقتصادية لإقليم كردستان.
على المقلب الآخر، تنظر دمشق بعين الريبة لهذه التحركات. الحكومة السورية، المدعومة من روسيا، ترى أن أي اتفاق تحت المظلة الأمريكية هو محاولة لعرقلة عودة سيادة الدولة على حقول النفط في 'رميلان' و'العمر'. التداعيات قد تشمل تجميد جولات الحوار بين دمشق والقامشلي التي ترعاها موسكو، وزيادة وتيرة التحريض العشائري في دير الزور ضد تواجد 'قسد'. في الواقع، إن نجاح مظلوم عبدي في الحصول على ضمانات أمريكية-كردية مشتركة يعني إطالة أمد الوضع الراهن (Status Quo)، وهو ما لا ترغب فيه القوى الإقليمية الطامحة لتغيير الخارطة الميدانية.
الأطراف المعنية: خارطة المصالح المتضاربة
الأطراف المعنية بهذا اللقاء تشكل موزاييكاً معقداً من المصالح. أولاً، قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي يمثلها عبدي، تبحث عن 'اعتراف سياسي' يوازي ثقلها العسكري. هي تريد أن تكون جزءاً من أي تسوية دولية للحل السوري وفق القرار 2254، وتعتبر أربيل بوابتها الدبلوماسية نحو الغرب. ثانياً، إقليم كردستان العراق، الذي يجد نفسه في دور الوسيط 'المجبر'؛ فالإقليم يعاني من مشاكل مالية مع بغداد وضغوط من طهران، ويرى في استقرار شرق سوريا حماية لأمنه القومي الخاص.
ثالثاً، الولايات المتحدة، التي يمثلها المبعوث توم باراك، تهدف لتحقيق 'الاستقرار المستدام' بأقل التكاليف. واشنطن لا تريد الانخراط في صراع عسكري مباشر مع تركيا، وفي نفس الوقت لا تريد ترك الساحة لإيران وروسيا. لذا، فإن استراتيجيتها تعتمد على خلق 'كتلة كردية' موحدة تكون عصية على الاختراق. رابعاً، هناك 'المجلس الوطني الكردي' (ENKS) المدعوم من أربيل، والذي يطالب بشراكة حقيقية في إدارة مناطق شمال شرق سوريا، وهو الطرف الذي كان الغائب-الحاضر في تصريحات عبدي، حيث أن فحوى الاجتماع تمحور حول كيفية إدماج هذا المجلس في منظومة الحكم الحالية في القامشلي.
الموقف والتحليل: مقامرة عبدي الأخيرة في عالم محير
في 'عالم محير٨٣'، نحلل هذا الخبر بعيداً عن العواطف القومية أو الخطابات السياسية المنمقة. الحقيقة الجلية هي أن مظلوم عبدي يقوم بـ 'مقامرة كبرى'؛ فهو يضع كل بيضه في السلة الأمريكية، وهي سلة أثبتت التجارب (في أفغانستان وقبلها في عفرين 2018) أنها قد تُسحب في أي لحظة بناءً على تقلبات البيت الأبيض. اللقاء في أربيل هو محاولة لـ 'شراء الوقت' وليس حلاً نهائياً. إن الاعتماد على مبعوث أمريكي لترطيب الأجواء مع نيجيرفان بارزاني يعكس ضعفاً هيكلياً في المشروع السياسي للإدارة الذاتية، التي فشلت حتى الآن في بناء جسور ثقة متينة مع جيرانها الكرد أو مع العمق السوري العربي دون وسيط أجنبي.
التحليل الجريء يشير إلى أن واشنطن تستخدم الورقة الكردية كـ 'مصدّ رياح' لمشاريعها في المنطقة، بينما تدرك أربيل أن 'قسد' قد تكون عبئاً أمنياً بقدر ما هي حليف استراتيجي. الرأي الصريح هنا هو: إن لم تنجح هذه اللقاءات في إنتاج 'إدارة مشتركة' حقيقية تُشرك المكونات العربية والكردية المعارضة لـ 'قسد'، فإن مصير شرق الفرات سيكون التفتت عند أول انسحاب أمريكي مفاجئ. الأرقام لا تكذب؛ فالتضخم في مناطق الإدارة الذاتية وصل لمستويات قياسية، والاعتماد على المساعدات الدولية يتناقص. لذا، فإن لقاء أربيل هو 'حقنة إنعاش' لمشروع يواجه خطر الموت السريري سياسياً، ما لم يتحول من 'قوة أمر واقع' إلى 'شريك شرعي' مقبول إقليمياً ودولياً، وهو أمر دونه خرط القتاد في ظل الفيتو التركي والتربص الإيراني.
The Erbil Triangle: Can Mazloum Abdi Trade US Loyalty for a Fragile Kurdish Unity?
In a strategic diplomatic move, the SDF Commander-in-Chief revealed a tripartite meeting in Erbil, linking SDF ambitions with the balances of the Kurdistan Region and volatile US interests. Are we witnessing a redrawing of the alliance map in the East Euphrates?
Background: The Convergence of Competing Interests
The recent announcement by Mazloum Abdi, Commander-in-Chief of the Syrian Democratic Forces (SDF), regarding his meeting with Nechirvan Barzani and the US envoy in Erbil, is not a routine diplomatic event. It comes at a critical juncture where the Autonomous Administration in North and East Syria (AANES) faces existential threats. Historically, the relationship between the SDF and the Kurdistan Regional Government (KRG) has been marred by ideological differences and regional pressures, particularly from Turkey. This meeting marks a renewed US attempt to bridge the gap between Kurdish factions to stabilize the region against both ISIS and Iranian influence.
For years, the United States has maintained approximately 900 troops in Syria, primarily focused on the 'Defeat ISIS' mission. However, the geopolitical landscape has shifted. With the increasing rapprochement between Damascus and regional capitals, and the persistent Turkish drone campaign targeting SDF infrastructure, the Kurdish leadership in Syria is seeking a 'safety valve' through Erbil. This summit reflects a tactical necessity to unify the Kurdish front, which has been divided since the failed 'Dahuk Agreement' and subsequent stalled dialogues between the PYNK and ENKS coalitions.
Dimensions of the Tripartite Meeting
The meeting carries three primary dimensions: security, economic, and political. Securely, the US aims to ensure that the SDF remains a cohesive partner in managing the Al-Hol camp, which houses over 40,000 individuals linked to ISIS, and the various detention centers holding nearly 10,000 militants. Any friction between the KRG and SDF could disrupt the logistics of the International Coalition, as the Semalka/Faysh Khabur border crossing is the lifeline for US operations in Syria. Economically, the discussion likely touched upon oil exports and the movement of goods, essential for the survival of the AANES under the pressure of the Caesar Act and the closure of official UN aid crossings like Al-Yarubiyah.
Regional Implications and the Turkish Factor
The implications of this meeting extend far beyond the borders of Erbil and Hasakah. Turkey views any Kurdish unification or formalization of the SDF's status as a direct threat to its national security, linking the SDF to the PKK. The timing of this meeting suggests a US effort to provide a 'political umbrella' for the SDF before any potential shifts in American foreign policy following upcoming elections. It also serves as a message to Baghdad and Damascus that the US-Kurdish partnership is still the primary arbiter of the security vacuum in the East Euphrates. However, the fragility of this alliance remains, as the KRG must balance its relations with Ankara while playing the role of the 'older brother' to the Syrian Kurds.
Stakeholders and their Motives
The stakeholders involved have diverging long-term goals. The SDF seeks international legitimacy and a permanent seat at the Syrian constitutional table. The KRG, led by the Barzani family, wants to ensure that the radicalism of the Syrian Kurdish administration does not spill over or provoke a Turkish intervention that could destabilize their own autonomous status. The United States, represented by its envoy, acts as the guarantor, primarily interested in containing Iranian expansion and preventing an ISIS resurgence. Meanwhile, silent actors like Russia and the Syrian government are closely monitoring these talks, as any success in Kurdish unity complicates Moscow's efforts to broker a deal between Damascus and the SDF.
The Verdict: Strategic Necessity or Temporary Truce?
From a critical perspective, the Erbil meeting is a high-stakes gamble. While the rhetoric focuses on 'unity' and 'stability,' the reality on the ground is a patchwork of conflicting interests. Mazloum Abdi is attempting to use the US envoy as a shield against both Turkish aggression and the internal Kurdish rift. However, relying on US mediation has historically been a double-edged sword for the Kurds. The bold truth is that without a fundamental shift in how the AANES relates to the Syrian state and its neighbors, these meetings remain cosmetic fixes to structural problems. The SDF must decide if it is a local Syrian force or a regional Kurdish project, a choice that will ultimately determine its survival in the 'Confusing World' of Middle Eastern politics.
المصدر: عالم محير٨٣ — abuomer83.com
0 تعليقات