سوريا الساحة المستباحة: تصفية الحسابات الإيرانية الإسرائيلية فوق أنقاض السيادة المفقودة
بين مطرقة الصواريخ الإيرانية وسندان الدفاعات الإسرائيلية، تجد سوريا نفسها مجدداً مجرد 'صندوق بريد' دامٍ، حيث تُغلق المطارات وتنفجر السماء فوق رؤوس المدنيين في درعا.
خلفية الحدث: انفجار الصراع فوق 'مهد الثورة'
لم تكن الانفجارات التي هزت أركان محافظة درعا في الجنوب السوري مجرد صدى لعرض عسكري، بل كانت تجسيداً حياً للمرحلة الأكثر خطورة في الصراع الإيراني الإسرائيلي. بدأت القصة مع إطلاق إيران موجة من الصواريخ الباليستية والمجنحة باتجاه الأراضي المحتلة، وهو ما استدعى تفعيل منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية المتطورة مثل 'آرو 2' و'آرو 3' (Arrow). وبحسب التقارير الميدانية، فقد سقطت شظايا وبقايا صواريخ اعتراضية في مناطق متفرقة من ريف درعا، وتحديداً في المنطقة الممتدة بين مدينة إزرع وبلدة الشيخ مسكين، مما تسبب في حالة من الذعر بين السكان المحليين الذين اعتادوا على دوي الانفجارات منذ عام 2011، ولكن ليس بهذا الزخم العابر للحدود.
تاريخياً، شهدت سوريا منذ عام 2017 مئات الغارات الإسرائيلية، ولكن وتيرة هذه الهجمات تصاعدت بشكل حاد بعد أحداث 7 أكتوبر 2023. الأرقام تشير إلى أن إسرائيل نفذت أكثر من 120 ضربة داخل الأراضي السورية خلال العام الماضي وحده، استهدفت مراكز بحوث علمية، ومستودعات أسلحة، ومطارات. إلا أن ما حدث مؤخراً يتجاوز 'الضربات الموضعية' ليدخل في إطار المواجهة الشاملة، حيث تحولت سماء الجنوب السوري إلى مسرح لمطاردات صاروخية فوق صوتية، مما جعل السيادة السورية مجرد حبر على ورق أمام التكنولوجيا العسكرية الإيرانية والإسرائيلية.
أبعاده: درعا كممر استراتيجي وجبهة متقدمة
تحمل محافظة درعا أهمية رمزية واستراتيجية بالغة؛ فهي لا تبعد سوى كيلومترات قليلة عن الجولان المحتل، وتعتبر تاريخياً 'خاصرة دمشق الضعيفة'. التواجد الإيراني في هذه المنطقة، عبر ميليشيات موالية وفصائل منضوية تحت لواء 'فيلق القدس'، جعل منها هدفاً دائماً للمراقب العسكري الإسرائيلي. البعد الاستراتيجي هنا يكمن في محاولة إيران تثبيت 'قواعد اشتباك' جديدة، تكون فيها الأراضي السورية منصة للرد والرد المقابل، وهو ما ترفضه إسرائيل جملة وتفصيلاً من خلال سياسة 'الجز العشبي' المستمرة، التي تهدف لمنع أي تموضع دائم يقترب من حدودها الشمالية.
علاوة على ذلك، فإن استخدام المجال الجوي السوري لاعتراض الصواريخ يعكس انهيار منظومة الحماية الجوية السورية التي بقيت صامتة أمام التوغل الإسرائيلي. الأبعاد هنا تتجاوز العسكرة لتصل إلى الجغرافيا السياسية؛ حيث يبدو أن الاتفاقات الروسية-الإسرائيلية 'غير المكتوبة' لا تزال سارية، مما يسمح لإسرائيل بالعمل بحرية في الأجواء السورية طالما أنها لا تستهدف الأصول الروسية في قاعدة حميميم أو طرطوس. هذا التداخل المعقد يجعل من كل غارة أو اعتراض صاروخي رسالة سياسية مغلفة بالبارود، يدفع ثمنها الاستقرار الهش في الجنوب السوري.
التداعيات: مطار دمشق والشلل الاقتصادي الممنهج
التداعيات المباشرة لهذه الجولة من التصعيد تمثلت في إغلاق مطار دمشق الدولي، الشريان الجوي الوحيد للعاصمة. لم تكن هذه هي المرة الأولى؛ فالمطار خرج عن الخدمة أكثر من 6 مرات خلال العامين الماضيين بسبب القصف المباشر أو التهديدات الأمنية. هذا الإغلاق أدى إلى تحويل الرحلات إلى مطاري حلب واللاذقية، مما تسبب في خسائر اقتصادية تقدر بملايين الدولارات لشركة 'السورية للطيران' وشركات الشحن. الإحصائيات تشير إلى أن كل يوم إغلاق للمطار يكلف قطاع الطيران والسياحة ما لا يقل عن 500 ألف دولار كخسائر مباشرة، ناهيك عن تعطيل سلاسل التوريد الطبية والغذائية.
على الصعيد الإنساني، يعيش سكان درعا والقنيطرة حالة من 'الترقب القاتل'؛ فالخطر لا يأتي فقط من الصواريخ المنفجرة، بل من الحطام المتساقط الذي تسبب في أضرار مادية في الممتلكات والمحاصيل الزراعية. كما أن حالة الاستنفار الأمني تؤدي إلى تشديد القيود على الحركة والتنقل، مما يفاقم الأزمة المعيشية في منطقة تعاني أصلاً من آثار سنوات الحرب الطويلة والفقر المدقع. إن تحول المطارات المدنية إلى أهداف عسكرية أو مناطق خطر جوي يضع سوريا في عزلة دولية خانقة، ويهمش أي مساعٍ لإعادة الإعمار أو التعافي الاقتصادي.
الأطراف المعنية: صراع الإرادات فوق أرض الغير
في هذا المشهد، نجد أطرافاً رئيسية تلعب أدواراً متناقضة. إيران تسعى لإثبات وجودها كقوة إقليمية قادرة على اختراق العمق الإسرائيلي عبر 'محور المقاومة'، مستخدمة الأراضي السورية كعمق استراتيجي. إسرائيل، من جانبها، تتحرك بـ 'عقيدة بيغن' المحدثة، التي لا تسمح لأي عدو بامتلاك أسلحة دمار أو تموضع عسكري يهدد وجودها، وهي مستعدة لخرق كافة المواثيق الدولية لتحقيق ذلك. أما الحكومة السورية، فتجد نفسها في موقف 'المتفرج المغلوب على أمره'، حيث تكتفي ببيانات الإدانة والاحتفاظ بحق الرد، في ظل جيش منهك وصراعات داخلية مستمرة.
ولا يمكن إغفال الدور الروسي الذي يمسك بالعصا من المنتصف؛ فموسكو تريد الحفاظ على نظام الأسد كحليف، ولكنها لا تريد الدخول في صدام مباشر مع إسرائيل من أجل إيران. هذا 'التوازن البارد' هو الذي سمح بتحول سوريا إلى ساحة لتصفية الحسابات. وفي الخلفية، تقف الولايات المتحدة داعمة للموقف الإسرائيلي، ومؤكدة على 'حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها'، مما يمنح تل أبيب الضوء الأخضر لمواصلة عملياتها العسكرية فوق دمشق ودرعا دون خوف من عقوبات دولية أو ضغوط حقيقية.
الموقف والتحليل: سوريا.. 'صندوق بريد' أم دولة ذات سيادة؟
إن ما يحدث في درعا ومطار دمشق ليس مجرد حدث عسكري عابر، بل هو إعلان رسمي عن تحول سوريا إلى 'جغرافيا مستباحة'. الموقف هنا يستدعي صراحة جريئة: السيادة السورية لم تعد موجودة إلا في التصريحات الإعلامية. كيف يمكن لدولة أن تدعي السيادة بينما تُدار المعارك فوق عاصمتها من قبل قوى أجنبية؟ إن تحويل الأراضي السورية إلى منصة لتصفية الحسابات الإيرانية الإسرائيلية هو مقامرة بمستقبل ما تبقى من الدولة السورية. الأرقام لا تكذب؛ فالحرب في سوريا لم تنتهِ، بل تغيرت أدواتها وأطرافها، وأصبح المواطن السوري هو الضحية الصامتة لصراع ليس له فيه ناقة ولا جمل.
التحليل الدقيق يشير إلى أن إسرائيل لن تتوقف، وإيران لن تساوم على وجودها في سوريا، مما يعني أننا أمام 'حرب استنزاف طويلة الأمد' ستكون سوريا مسرحها الوحيد. الحل لا يكمن في الدفاعات الجوية، بل في قرار سياسي يعيد للدولة السورية قرارها السيادي بعيداً عن التجاذبات الإقليمية. وبدون ذلك، ستبقى سماء درعا مشتعلة، ومطار دمشق مغلقاً، وسيبقى 'العالم المحير' يشاهد كيف تُفتت الأوطان في صراع العمالقة. إن استمرار هذا الوضع يعني تحول سوريا إلى 'فشل هيكلي' دائم، حيث تُنتهك الحدود والكرامة الوطنية يومياً تحت ذريعة 'الأمن القومي' لدول الجوار والقوى الإقليمية.
Syria: A Lawless Battlefield - The Geopolitical Fallout of Iran-Israel Missile Confrontations
As Iranian missiles face Israeli interceptors, Syria remains a volatile proxy battlefield where civilian infrastructure like Damascus Airport pays the price for a regional shadow war that has now burst into the open.
Context of the Escalation
The recent explosions reported in the Daraa countryside and the subsequent suspension of air traffic at Damascus International Airport represent a critical peak in the long-standing shadow war between Tehran and Tel Aviv. Since October 2023, the frequency of Israeli strikes in Syria has increased by over 150%, targeting logistics hubs used by the IRGC and Hezbollah. The recent interception of Iranian ballistic missiles over southern Syrian airspace is not merely a defensive maneuver; it is a declaration that Syrian sovereignty has become a secondary concern in a much larger regional chess game.
The Strategic Importance of Daraa
Daraa, often referred to as the 'Cradle of the Revolution,' has transformed into a strategic corridor for Iranian-backed militias seeking proximity to the Golan Heights. The explosions heard by residents are the physical manifestation of the 'Arrow' and 'David’s Sling' interceptor systems engaging targets at high altitudes. This tactical reality has turned southern Syria into a permanent combat zone, where the Syrian Arab Army remains a spectator while foreign powers dictate the rules of engagement.
Economic and Civil Aviation Paralysis
The closure of Damascus International Airport is the most visible consequence of this escalation. For the tenth time in less than two years, the facility has been forced to divert flights to Latakia or Aleppo, severely crippling Syria's already fragile economy. Aviation experts estimate that each closure costs the state millions in lost revenue and logistical penalties, further isolating the country from global supply chains and humanitarian aid routes.
The Silent Major Players
While Iran and Israel are the primary combatants, Russia's role remains conspicuously neutral. Despite possessing advanced S-400 missile systems in Hmeimim, Moscow has consistently allowed Israeli jets to operate within Syrian airspace, provided they avoid Russian assets. This 'coordinated silence' highlights the complex web of international interests that leave the Syrian state powerless to defend its own borders.
Conclusion and Analytical Stance
The hard truth is that Syria is no longer a sovereign state in the traditional sense; it has become a geopolitical 'buffer zone' where foreign entities settle scores. The continued use of Syrian soil as a launchpad or a target for interceptors is a violation of international law that goes largely ignored. Unless a comprehensive regional settlement is reached, the Syrian people will continue to endure a conflict they did not start, suffering the consequences of a war fought over their heads and on their land.
المصدر: عالم محير٨٣ — abuomer83.com
0 تعليقات