انكسار 'الضغوط القصوى': هل يشتري ترمب الهدوء بصفقة هشة تمنح إيران مفاتيح المنطقة؟
بينما كان العالم يترقب عودة سياسة 'القبضة الحديدية' ضد طهران، تبرز تقارير 'وول ستريت جورنال' لتكشف عن تحول دراماتيكي في نهج ترمب، فهل يضحي الاستقرار الإقليمي طويل الأمد مقابل انتصار دبلوماسي عابر؟
خلفية الحدث: من الصدام إلى حافة التسوية
في الثامن من مايو عام 2018، أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب انسحاب بلاده من الاتفاق النووي الإيراني (JCPOA)، واصفاً إياه بأنه 'أسوأ اتفاق في التاريخ'. أعقب ذلك إطلاق حملة 'الضغوط القصوى' التي تضمنت فرض أكثر من 1500 عقوبة على كيانات وأفراد إيرانيين، مما أدى إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي الإيراني بنسبة تقارب 6% في عام 2019 وحده، وتراجع صادرات النفط من 2.5 مليون برميل يومياً إلى مستويات رمزية. كان الهدف المعلن آنذاك هو إجبار طهران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بشروط واشنطن الكاملة، والتي تضمنت وقف تخصيب اليورانيوم تماماً وتفكيك المنظومة الصاروخية وإنهاء نفوذها في العواصم العربية الأربع.
اليوم، وبحسب تقرير 'وول ستريت جورنال'، يبدو أن المشهد قد انقلب رأساً على عقب. فبينما تقترب إيران من 'عتبة نووية' حرجة مع تخصيب اليورانيوم بنسبة 60% (وهي نسبة قريبة جداً من الـ 90% المطلوبة لصنع سلاح نووي)، يميل ترمب نحو 'تراجع إستراتيجي' يتضمن قبول اتفاق جزئي. هذا التحول يأتي في سياق رغبة ترمب في تجنب الانجرار إلى 'حروب أبدية' جديدة، خاصة مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط بعد أحداث 7 أكتوبر 2023. إن العودة إلى لغة الصفقات بدلاً من لغة الإملاءات تعكس اعترافاً ضمنياً بأن سياسة الضغوط القصوى فشلت في تحقيق أهدافها الجوهرية، بل ودفعت طهران نحو مزيد من التشدد التقني والتحالف الوثيق مع موسكو وبكين.
أبعاد الصفقة المرتقبة: الأرقام والمكاسب
تتمحور أبعاد الاتفاق الذي تروّج له التسريبات حول معادلة 'الهدوء مقابل المال'. إستراتيجياً، يهدف ترمب إلى تأجيل حسم الملف النووي إلى ما بعد فترته الرئاسية المحتملة، مقابل منح طهران متنفساً اقتصادياً يتمثل في السماح لها بتصدير كميات أكبر من النفط (تتجاوز حالياً 1.5 مليون برميل يومياً رغم العقوبات) والوصول إلى أصول مجمدة في الخارج تقدر بمليارات الدولارات. هذا التوجه يمثل طوق نجاة للاقتصاد الإيراني الذي يعاني من معدلات تضخم تجاوزت 40%، وتدهور مستمر في قيمة العملة المحلية (التومان) مقابل الدولار.
لكن البعد الأخطر في هذه الصفقة يكمن في 'تجميد الوضع الراهن' بدلاً من تغييره. فالاتفاق المقترح لا يتطرق بجدية إلى البرنامج الصاروخي الباليستي الإيراني، الذي يمتلك صواريخ يصل مداها إلى 2000 كيلومتر، ولا إلى الطائرات المسيرة (شاهد 136) التي باتت تشكل تهديداً عابراً للحدود. إن حصر المواجهة في 'التوقيت النووي' فقط يمنح طهران شرعية دولية غير معلنة للاستمرار في مشروعها الإقليمي، طالما أنها لا تتجاوز الخط الأحمر نحو إنتاج القنبلة، وهو ما تراه 'وول ستريت جورنال' تراجعاً عن المبادئ التي لطالما نادى بها المحافظون في واشنطن.
التداعيات: زلزال في تحالفات المنطقة
إن أي تراجع إستراتيجي أمريكي تجاه طهران سيخلف موجات ارتدادية واسعة في العواصم الإقليمية. الحلفاء التقليديون، وعلى رأسهم إسرائيل، ينظرون إلى هذا الاتفاق بعين الريبة والقلق. بالنسبة لنتنياهو، فإن أي صفقة لا تتضمن 'تفكيكاً كاملاً' للبنية التحتية النووية هي مجرد شراء للوقت يصب في مصلحة آية الله علي خامنئي. التقارير تشير إلى أن تل أبيب قد تضطر للتحرك بشكل منفرد إذا شعرت أن واشنطن تخلت عن خيار 'الردع العسكري الحقيقي'.
أما على مستوى دول الخليج، فإن المخاوف تتركز حول 'النفوذ الإقليمي'. فمنح إيران موارد مالية جديدة دون وضع قيود على تمويلها للفصائل المسلحة في اليمن ولبنان والعراق وسوريا، يعني عملياً تمويل 'محور المقاومة' بأموال أمريكية غير مباشرة. هذا قد يدفع بعض القوى الإقليمية إلى إعادة تقييم تحالفاتها والبحث عن توازنات جديدة مع القوى الصاعدة مثل الصين، التي رعت بالفعل اتفاق المصالحة بين الرياض وطهران في مارس 2023. إن التداعيات هنا تتجاوز الملف النووي لتصل إلى صياغة نظام أمني إقليمي جديد قد تكون فيه الولايات المتحدة 'لاعباً' وليس 'ضامناً'.
الأطراف المعنية: صراع المصالح والإرادات
تتعدد الأطراف الفاعلة في هذا الملف، ولكل منها أجندة متضاربة. في الداخل الأمريكي، هناك انقسام بين 'صقور' الحزب الجمهوري الذين يرون في الصفقة استسلاماً، وبين تيار 'ترمب البراغماتي' الذي يريد إغلاق الملفات المفتوحة للتركيز على المنافسة مع الصين. في المقابل، تبرز الحكومة الإيرانية الجديدة بقيادة مسعود بزشكيان، التي تسعى لإثبات أن الدبلوماسية يمكن أن ترفع العقوبات، لكنها تصطدم بجدار 'الحرس الثوري' الذي يرفض تقديم أي تنازلات تمس النفوذ الإقليمي أو القدرات الصاروخية.
أما الطرف الغائب-الحاضر فهو الاتحاد الأوروبي (فرنسا، ألمانيا، وبريطانيا)، الذي يحاول الحفاظ على ما تبقى من اتفاق 2015. الأوروبيون يخشون من 'صفقة ثنائية' بين ترمب وطهران تهمش المصالح الأوروبية وتترك القارة العجوز عرضة لتبعات سباق تسلح نووي في جوارها المباشر. كما تدخل روسيا على الخط كطرف مستفيد من أي توتر يشغل واشنطن عن الجبهة الأوكرانية، وفي الوقت نفسه كحليف عسكري متعاظم لإيران، مما يعقد حسابات ترمب الذي لطالما تفاخر بقدرته على عزل خصوم أمريكا.
الموقف والتحليل: خديعة 'فن الصفقة'
في موقع 'عالم محير٨٣'، ومن خلال تقصي الحقائق والربط بين المعطيات، نرى أن ما تصفه 'وول ستريت جورنال' بالتراجع الإستراتيجي هو في الحقيقة 'اعتراف بالهزيمة المغلف ببراغماتية زائفة'. إن لجوء ترمب لصفقة تؤجل المشكلة بدلاً من حلها يضرب مصداقية السياسة الخارجية الأمريكية في مقتل. فترمب الذي انتقد أوباما لأنه منح إيران 'قبلة الحياة' في 2015، يبدو اليوم مستعداً لمنحها 'طوق نجاة' في 2024، فقط من أجل تسويق نجاح سياسي وهمي للداخل الأمريكي.
الرأي الجريء هنا هو أن ترمب، بطبيعته 'الصفقاتية'، يضحي بالأمن القومي طويل الأمد مقابل الهدوء قصير الأجل. إن منح إيران متنفساً اقتصادياً دون معالجة 'جذور الأزمة'—وهي العقيدة التوسعية للنظام والمليشيات العابرة للحدود—هو بمثابة مكافأة للمعتدي. الأرقام لا تكذب؛ فإيران التي كانت تمتلك بضع مئات من الكيلوغرامات من اليورانيوم منخفض التخصيب في 2018، تمتلك اليوم مخزوناً كافياً لعدة قنابل إذا ما قررت رفع التخصيب. هذا الفشل الذريع لسياسة الضغوط القصوى يدفع ترمب الآن نحو 'هروب إلى الأمام' عبر اتفاق هش. الحقيقة المرة هي أن واشنطن لم تعد تملك ترف فرض الشروط المطلقة، وأن طهران، بذكاء وصبر إستراتيجي، استطاعت استنزاف الإرادة الأمريكية حتى أوصلتها إلى لحظة 'التراجع' التي نشهد ملامحها اليوم.
The Collapse of Maximum Pressure: Is Trump Buying Peace with a Fragile Deal That Empowers Iran?
While the world expected a return to the 'Iron Fist' policy against Tehran, Wall Street Journal reports reveal a dramatic shift in Trump's approach. Is long-term regional stability being sacrificed for a fleeting diplomatic victory?
Background of the Strategic Shift
In May 2018, Donald Trump unilaterally withdrew the United States from the Joint Comprehensive Plan of Action (JCPOA), initiating what he termed a 'Maximum Pressure' campaign. This strategy aimed to collapse the Iranian economy through crippling sanctions, specifically targeting its oil exports, which fell from 2.5 million barrels per day in 2018 to less than 400,000 in 2020. However, the current landscape has changed. With Iran now enriching uranium to 60% purity—dangerously close to the 90% weapons-grade threshold—and the geopolitical fallout of the Gaza war, the Trump administration appears to be re-evaluating its previous hardline stance in favor of a transactional agreement.
The shifting priorities are not merely about nuclear physics; they are rooted in the 'America First' doctrine. Trump’s historical reluctance to engage in 'forever wars' in the Middle East has led to a potential pivot. This retreat, as described by the Wall Street Journal, suggests that the U.S. might be willing to trade economic relief for a temporary freeze in nuclear activities, leaving the underlying issues of regional proxy warfare and ballistic missile development unaddressed.
Dimensions of the Proposed Deal
The proposed agreement focuses on two main pillars: economic breathing room for Tehran and a postponement of the nuclear 'breakout' time. For Iran, this means the potential unfreezing of billions of dollars in assets and a more lenient enforcement of oil sanctions. For the U.S., it offers a temporary geopolitical reprieve. This shift highlights a significant departure from the 12 demands previously articulated by former Secretary of State Mike Pompeo, which included a total cessation of enrichment and a withdrawal of Iranian forces from Syria.
Regional Implications
A strategic retreat by the U.S. would send shockwaves through the Middle East. Traditional allies, particularly Israel and Saudi Arabia, view any concession to Iran that ignores its regional proxies—such as Hezbollah, Hamas, and the Houthis—as a threat to their national security. There is a profound fear that a 'nuclear-only' deal would provide Iran with the financial resources to further embolden its 'Axis of Resistance,' effectively subsidizing regional instability in exchange for a quiet nuclear front.
Involved Parties and Interests
The key actors include the Trump administration, seeking a quick foreign policy 'win'; the Iranian leadership under President Masoud Pezeshkian, desperate for economic relief to quell internal dissent; and the Israeli government under Netanyahu, which remains skeptical of any deal that does not include 'dismantling' rather than 'postponing' Iran's nuclear infrastructure. European signatories, while supportive of diplomacy, are wary of a deal that lacks the rigor of the original JCPOA.
Position and Analysis
Our analysis at 'Alam Muhayir 83' suggests that this is not a strategic victory, but a tactical compromise born of exhaustion. By decoupling the nuclear file from Iran's regional behavior, the U.S. risks legitimizing Tehran’s hegemony. A deal that grants economic lifeblood to a regime without demanding a fundamental change in its regional doctrine is not a peace treaty; it is a high-stakes gamble that prioritizes political optics over structural security. The 'Art of the Deal' in this context appears more like the 'Art of the Retreat'.
المصدر: عالم محير٨٣ — abuomer83.com
0 تعليقات