📌 منوعات

مشاورات أديس أبابا: هل تنهي «خماسية السلام» صراع الجنرالات أم أنها مجرد «إدارة دولية» للأزمة؟

📅 ٦ يونيو ٢٠٢٦ #السودان #أديس أبابا #الجيش السوداني #الدعم السريع #الأمم المتحدة

بينما يرزح السودان تحت وطأة كارثة إنسانية غير مسبوقة، تجتمع القوى الدولية في أديس أبابا لرسم خارطة طريق سياسية. فهل تنجح هذه المشاورات في تجاوز عقبة «البنادق» وصناعة سلام مستدام، أم أنها حلقة جديدة في مسلسل التهدئة المؤقتة؟

إعلان

شاهد الفيديو

خلفية الحدث: من «طلقة الخرطوم» إلى «طاولة أديس أبابا»

اندلع النزاع المسلح في السودان في 15 أبريل 2023، ليتحول الصراع على السلطة بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، إلى حرب استنزاف شاملة. على مدار أكثر من 16 شهراً، دُمرت البنية التحتية في العاصمة الخرطوم، وامتدت ألسنة اللهب إلى إقليم دارفور وكردفان والجزيرة، مما خلق واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في القرن الحادي والعشرين. في هذا السياق، تأتي مشاورات أديس أبابا التي استمرت ثلاثة أيام (أغسطس 2024) كأحدث محاولة دولية لجمع الشتات السياسي السوداني تحت مظلة واحدة.

تأتي هذه الجولة بعد سلسلة من الإخفاقات في مسارات سابقة، أبرزها «منبر جدة» الذي ركز على الجوانب الإنسانية ووقف إطلاق النار قصير الأمد دون تحقيق نتائج مستدامة. ما يميز مشاورات أديس أبابا الأخيرة هو حضور «الخماسية الدولية» (الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الاتحاد الإفريقي، الهيئة الحكومية الدولية للتنمية «إيغاد»، وجامعة الدول العربية)، وهو تمثيل يعكس رغبة دولية في توحيد المبادرات المتضاربة. الهدف المعلن هو تمهيد الطريق لعملية سياسية «يقودها السودانيون»، لكن الواقع يشير إلى أن الفجوة بين تطلعات القوى المدنية وواقع الميدان العسكري لا تزال تتسع بشكل مخيف.

أبعاد المشاورات: لماذا «الخماسية» الآن؟

تحمل مشاركة خمس منظمات دولية وإقليمية كبرى دلالات استراتيجية عميقة؛ فهي تعكس اعترافاً دولياً بأن الأزمة السودانية لم تعد شأناً داخلياً، بل تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي في البحر الأحمر ومنطقة الساحل الإفريقي. الاتحاد الإفريقي و«إيغاد» يسعيان لاستعادة زمام المبادرة تحت شعار «حلول إفريقية للمشاكل الإفريقية»، بينما يمثل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ثقل الضغط الدبلوماسي والتمويل الإنساني. جامعة الدول العربية، من جانبها، تحاول موازنة الكفة لضمان عدم خروج السودان من محيطه العربي أو تحوله إلى دولة فاشلة تصدر الإرهاب والهجرة غير الشرعية.

البعد الآخر لهذه المشاورات يكمن في محاولة خلق «كتلة مدنية حرجة». شاركت في الاجتماعات قوى سياسية ومدنية، على رأسها تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم) برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، إلى جانب فصائل أخرى. تدرك المجموعة الخماسية أن غياب الجناح المدني الموحد يعطي الذريعة للعسكريين للاستمرار في القتال بحجة عدم وجود شريك مدني متوافق عليه. لذا، ركزت أجندة أديس أبابا على كيفية تصميم عملية سياسية شاملة لا تستثني أحداً، باستثناء حزب المؤتمر الوطني المنحل، وهو لغم سياسي لا يزال يفجر أي محاولة للتقارب.

تداعيات الأزمة: أرقام مرعبة تسبق الدبلوماسية

إعلان

بينما يتناقش الدبلوماسيون في القاعات المغلقة، تتحدث الأرقام على الأرض بلغة أكثر قسوة. تشير تقارير منظمة الهجرة الدولية إلى نزوح أكثر من 10.7 مليون شخص داخل السودان، بينما لجأ أكثر من 2.1 مليون إلى دول الجوار (مصر، تشاد، وجنوب السودان). ووفقاً للتصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي (IPC)، يواجه حوالي 25.6 مليون سوداني (أكثر من نصف السكان) جوعاً حاداً، مع تأكيدات بحدوث مجاعة فعلياً في مخيم «زمزم» للنازحين بشمال دارفور. هذه الأرقام تضع ضغطاً هائلاً على مشاورات أديس أبابا، حيث لم يعد الوقت ترفاً يملكه السياسيون.

اقتصادياً، انكمش الناتج المحلي الإجمالي للسودان بنسبة تقارب 40% في عام 2023 وحده، ومن المتوقع أن يستمر الانهيار في 2024. تدمير القطاع الزراعي في ولاية الجزيرة، التي تعد «سلة غذاء السودان»، يهدد بديمومة المجاعة لسنوات قادمة. لذا، فإن تداعيات فشل مشاورات أديس أبابا في التحول إلى ضغط حقيقي لوقف القتال تعني ببساطة تحول السودان إلى منطقة «ثقب أسود» اقتصادياً وإنسانياً، مما سيكلف المجتمع الدولي مليارات الدولارات في عمليات الإغاثة التي لن تعالج أصل المشكلة.

الأطراف المعنية: خارطة الولاءات والتقاطعات

تنقسم الأطراف المعنية بالسودان إلى ثلاثة مستويات: الأول هم «أمراء الحرب» (الجيش والدعم السريع)، الذين يرفضون حتى الآن تقديم تنازلات جوهرية، معتبرين أن أي اتفاق سياسي قد يسلبهم نفوذهم العسكري. المستوى الثاني هو «القوى المدنية» المنقسمة بين (تقدم) التي تتهمها أطراف بالانحياز للدعم السريع، و«كتلة الميثاق الوطني» و«الكتلة الديمقراطية» المقربة من الجيش. هذا الانقسام المدني هو الثغرة التي ينفذ منها العسكريون لإطالة أمد الحرب، وقد حاولت مشاورات أديس أبابا ردم هذه الهوة عبر حوارات تقريبية.

أما المستوى الثالث فهو «الفاعلون الإقليميون والدوليون» (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، مصر، وروسيا). تلعب هذه الدول أدواراً متناقضة أحياناً؛ فبينما تدعم واشنطن والرياض مسار جدة، تبرز القاهرة كلاعب أساسي في استضافة القوى السياسية، في حين تُتهم قوى إقليمية أخرى بتزويد الأطراف المتحاربة بالسلاح. إن نجاح «الخماسية الدولية» في أديس أبابا يعتمد كلياً على قدرتها على تحييد هذه التدخلات الخارجية وضمان توقف تدفق السلاح، وهو أمر لم يتحقق حتى الآن رغم قرارات مجلس الأمن الدولي.

الموقف والتحليل: رأي «عالم محير٨٣» الصريح

بناءً على المعطيات والوقائع، نرى في موقع «عالم محير٨٣» أن مشاورات أديس أبابا، رغم زخمها الدبلوماسي، لا تزال تدور في «حلقة مفرغة» من المبادرات الورقية. الرأي الجريء الذي يجب أن يُقال هو أن المجتمع الدولي يمارس عملية «إدارة للأزمة» وليس «حلاً لها». إن عقد مشاورات سياسية بينما المدافع لا تزال تقصف المدنيين هو نوع من «الترف الدبلوماسي» الذي لا يغير من واقع الأمر شيئاً. المشكلة الحقيقية ليست في غياب «خارطة الطريق»، بل في غياب «الإرادة القوية» لفرض عقوبات حقيقية ومباشرة على قادة الطرفين المتحاربين ومصادر تمويلهم.

التحليل المعمق يشير إلى أن تعدد المنابر (جدة، المنامة، القاهرة، أديس أبابا) يخدم فقط استراتيجية «شراء الوقت» التي يتبعها الجنرالات. إن العملية السياسية التي لا تسبقها آليات رقابة دولية صارمة على الأرض، وقوة حماية للمدنيين، ستبقى مجرد توصيات في أدراج المنظمات. الحل يتطلب تجاوز لغة «الناشدة» و«القلق» إلى لغة «الالتزام والفرض». إذا لم تتحول مشاورات أديس أبابا إلى منصة لإعلان «حكومة طوارئ مدنية» تحظى باعتراف دولي كامل وتجميد أرصدة الطرفين المتحاربين فوراً، فإنها ستكون مجرد محطة أخرى في طريق تفكك الدولة السودانية وتحولها إلى إقطاعيات عسكرية متناحرة.

🌍 ENGLISH VERSION

Addis Ababa Consultations: A Real Path to Peace or Global Diplomatic Stalling?

As Sudan faces an unprecedented humanitarian disaster, international powers gather in Addis Ababa to draft a political roadmap. Will these consultations succeed in overcoming the 'rule of guns' and creating a sustainable peace, or are they just another episode in the series of temporary de-escalations?

Context of the Conflict

The Sudanese conflict, which erupted on April 15, 2023, between the Sudanese Armed Forces (SAF) led by Abdel Fattah al-Burhan and the Rapid Support Forces (RSF) led by Mohamed Hamdan Dagalo 'Hemedti', has transformed from a localized power struggle into a regional and international crisis. For over 15 months, the fighting has decimated the capital, Khartoum, and spread to Darfur and Kordofan, leaving behind a trail of destruction that the international community has struggled to contain. The recent Addis Ababa consultations, facilitated by the 'International Quintet' (UN, EU, AU, IGAD, and Arab League), represent a desperate attempt to unify the fragmented peace tracks that have failed so far.

Previous initiatives, such as the Jeddah Track led by Saudi Arabia and the United States, focused primarily on humanitarian ceasefires, which were repeatedly violated within hours of signing. The Addis Ababa meetings signify a shift toward a comprehensive political process, involving civilian actors like the 'Taqaddum' coalition led by former Prime Minister Abdalla Hamdok. However, the absence of the military leadership from the direct negotiation table remains a significant hurdle in translating these diplomatic talks into a cessation of hostilities on the ground.

Humanitarian and Strategic Dimensions

The strategic dimension of the Sudan crisis cannot be overstated. Sudan's location on the Red Sea makes it a focal point for global trade and security, involving interests from Russia, the UAE, Egypt, and the United States. The International Quintet’s involvement is not merely humanitarian but is driven by the fear of Sudan becoming a failed state that exports instability across the Sahel and the Horn of Africa. The consultations aimed to harmonize the positions of these international bodies, which have often had conflicting priorities in the past, to present a unified front against the warring generals.

Humanitarian figures underscore the urgency of these talks. According to the United Nations, over 12 million people have been displaced, and more than 25 million—half the population—are in dire need of assistance. Reports of famine in the Zamzam camp in North Darfur serve as a grim reminder that the window for a political solution is closing. The Addis Ababa consultations attempted to link the political transition back to civilian rule with the immediate need for humanitarian corridors, a task easier said than done given the ongoing military escalations.

The Stakes and Future Prospects

The primary consequence of failing to achieve a breakthrough in these consultations is the total collapse of the Sudanese state. Economically, Sudan's GDP has contracted by nearly 40% since the start of the war, and infrastructure damage is estimated in the tens of billions of dollars. The Addis Ababa platform seeks to create a 'civilian block' strong enough to challenge the legitimacy of the military factions. By including the African Union and IGAD, the Quintet is attempting to re-legitimize the 'African Solution' while leveraging the financial and political weight of the EU and the Arab League.

Stakeholders and Analysis

The stakeholders are divided into three tiers: the belligerents (SAF and RSF), the civilian actors (Taqaddum and others), and the international mediators. The 'Bold Position' on this crisis is that the international community is currently 'managing the crisis' rather than 'solving' it. As long as the primary actors of violence—Al-Burhan and Hemedti—are not subjected to severe, unified international sanctions or a total arms embargo, consultations like those in Addis Ababa will remain peripheral. The multiplicity of negotiation platforms has allowed the warring parties to 'forum shop,' choosing whichever track offers the least resistance to their military ambitions at any given time.

The real test of the Addis Ababa consultations lies in their ability to move from 'consultation' to 'implementation.' For a political process to be 'Sudanese-led,' it must gain internal legitimacy beyond the conference rooms of luxury hotels. Without a clear mechanism to enforce ceasefires and a genuine commitment from regional powers to stop fueling the conflict with weapons, these diplomatic efforts risk becoming mere footnotes in the history of Sudan's disintegration.

📊
هل تعتقد أن المشاورات السياسية قادرة على وقف الحرب في السودان دون ضغط عسكري دولي؟

المصدر: عالم محير٨٣abuomer83.com