فخ 'الانسحاب المتدرج': كيف تعيد إسرائيل رسم خارطة الجنوب اللبناني بشروط القوة؟

📌 منوعات

فخ 'الانسحاب المتدرج': كيف تعيد إسرائيل رسم خارطة الجنوب اللبناني بشروط القوة؟

📅 ١٤ يونيو ٢٠٢٦ #لبنان #إسرائيل #حزب الله #الانسحاب البري #القرار 1701 #الشرق الأوسط

بينما تضج أروقة الدبلوماسية بوعود التهدئة، تكشف تسريبات 'يديعوت أحرونوت' عن وجه آخر للصراع؛ إسرائيل لا تنوي الانسحاب من جنوب لبنان قريباً، بل تسعى لفرض واقع ميداني يحول القرى الحدودية إلى مناطق عازلة بشروط أحادية الجانب.

إعلان
فخ 'الانسحاب المتدرج': كيف تعيد إسرائيل رسم خارطة الجنوب اللبناني بشروط القوة؟

خلفية الحدث: من الإسناد إلى الغزو البري الشامل

منذ الثامن من أكتوبر 2023، انخرط حزب الله فيما أسماه "جبهة إسناد غزة"، مما أدى إلى نزوح أكثر من 60 ألف مستوطن من شمال إسرائيل. ومع مطلع سبتمبر 2024، اتخذت القيادة الإسرائيلية قراراً استراتيجياً بتغيير قواعد اللعبة، حيث أطلقت عملية "سهام الشمال" التي تحولت في 30 سبتمبر إلى غزو بري بدأ بعمليات محدودة وتوسع ليشمل فرقاً عسكرية كاملة مثل الفرقة 98 والفرقة 36. الهدف المعلن هو تدمير بنية حزب الله التحتية، لكن الواقع الميداني يكشف عن رغبة في فرض واقع أمني جديد يتجاوز مجرد إبعاد المقاتلين.

التقرير الأخير الذي نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، ونقلته وكالات الأنباء، يشير بوضوح إلى أن الانسحاب ليس بنداً مدرجاً على جدول الأعمال القريب للجيش الإسرائيلي. هذا الموقف يأتي رداً على التقارير الدولية التي تتحدث عن قرب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار. تاريخياً، اعتمدت إسرائيل استراتيجية "النفس الطويل" في جنوب لبنان، وهو ما يذكرنا باحتلال عام 1982 الذي استمر حتى عام 2000. اليوم، تسعى إسرائيل لتجنب تكرار أخطاء الماضي عبر اشتراط انسحاب متدرج مرتبط بتحقيق إنجازات أمنية غير قابلة للنقض.

أبعاد المواجهة: استراتيجية "الأرض المحروقة" والمنطقة العازلة

تتجاوز الأبعاد العسكرية للعملية الحالية مجرد الاشتباك المباشر؛ إذ تعتمد إسرائيل استراتيجية تدمير ممنهج للقرى الحدودية اللبنانية. تشير الإحصائيات وصور الأقمار الصناعية إلى تضرر أو تدمير أكثر من 30 قرية في الحافة الأمامية، بما في ذلك ميس الجبل، بليدا، والعديسة. هذا التدمير ليس عشوائياً، بل يهدف إلى خلق "منطقة قتل" جغرافية تجعل من المستحيل على سكان هذه القرى العودة للعيش بجوار الحدود، مما يفرض منطقة عازلة بعمق يتراوح بين 5 إلى 10 كيلومترات، وهو ما تعتبره إسرائيل الضمانة الوحيدة لمنع هجمات مماثلة لـ "طوفان الأقصى" من الشمال.

على الصعيد العملياتي، يواجه الجيش الإسرائيلي مقاومة شرسة في القرى الحدودية، حيث تشير التقارير إلى مقتل أكثر من 100 جندي إسرائيلي منذ بدء التوغل البري، وإصابة المئات. هذه الخسائر البشرية تضع ضغطاً على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، لكنها في الوقت ذاته تدفعهما للتمسك بشروط انسحاب قاسية لضمان أن هذه الدماء لم تذهب سدى. فكرة "الانسحاب المتدرج" التي طرحتها يديعوت أحرونوت تعني بقاء القوات الإسرائيلية في نقاط استراتيجية داخل الأراضي اللبنانية لمراقبة تنفيذ أي اتفاق مستقبلي، وهو ما تعتبره الدولة اللبنانية خرقاً صارخاً للسيادة.

التداعيات: أزمة إنسانية واقتصاد مستنزف

إعلان

تداعيات هذا الإصرار الإسرائيلي على البقاء والاشتراط تظهر جلياً في الأرقام الإنسانية المفجعة. فقد أعلنت وزارة الصحة اللبنانية عن تجاوز عدد الشهداء حاجز الـ 3500 شهيد، مع نزوح أكثر من 1.2 مليون شخص من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت. هذا النزوح الهائل يضع ضغوطاً هائلة على البنية التحتية اللبنانية المتهالكة أصلاً، ويخلق أزمة اجتماعية قد تنفجر في أي لحظة. إسرائيل، من جانبها، تراهن على أن الضغط الشعبي اللبناني على حزب الله سيؤدي في النهاية إلى قبول الحزب بالشروط الإسرائيلية، وهو رهان محفوف بالمخاطر في ظل التلاحم الذي تظهره بعض الحواضن الشعبية.

أما على الجانب الإسرائيلي، فإن تكلفة الحرب وصلت إلى مستويات قياسية. تشير تقديرات البنك المركزي الإسرائيلي ووزارة المالية إلى أن الحرب في لبنان وغزة قد تكلف الخزينة أكثر من 60 مليار دولار بحلول نهاية عام 2025. استنزاف قوات الاحتياط وتوقف النشاط الاقتصادي في الشمال يمثلان تحدياً كبيراً لاستقرار الحكومة. ومع ذلك، فإن الخطاب اليميني السائد في تل أبيب يرى أن كلفة الانسحاب دون شروط ستكون أغلى بكثير على المدى البعيد، حيث سيؤدي ذلك إلى إعادة تسليح حزب الله وتهديد وجودي للمستوطنات الشمالية مرة أخرى.

الأطراف المعنية: صراع الإرادات بين بيروت وتل أبيب وطهران

المشهد السياسي معقد بتعدد الأطراف؛ فإسرائيل تشترط تعديل القرار الدولي 1701 ليتضمن بنداً يمنح جيشها "حرية الحركة" في لبنان للرد على أي تهديد، وهو ما يرفضه رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي جملة وتفصيلاً. لبنان يطالب بالعودة إلى القرار 1701 كما هو، مع تعزيز دور الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل. الولايات المتحدة، عبر مبعوثها عاموس هوكشتاين، تحاول صياغة حل وسط يضمن الأمن لإسرائيل والسيادة للبنان، لكن الفجوة لا تزال واسعة جداً، خاصة مع الدعم الإيراني المستمر لحزب الله.

إيران ترى في جبهة لبنان حائط صد أساسي لمنع أي هجوم إسرائيلي مباشر عليها، وبالتالي فهي تشجع حزب الله على الصمود ورفض الشروط المهينة. في المقابل، تضغط واشنطن على إسرائيل لتقليل سقف مطالبها خوفاً من انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة قد تجر الولايات المتحدة إليها. لكن، وبناءً على تقرير يديعوت أحرونوت، يبدو أن الجيش الإسرائيلي حصل على ضوء أخضر للاستمرار في قضم الأراضي وتدمير القرى لفرض أمر واقع قبل الجلوس النهائي على طاولة المفاوضات، مما يجعل أي اتفاق حالي مجرد "هدنة هشة" لا ترقى لانسحاب كامل.

الموقف والتحليل: إسرائيل تكرر خطأ "الحزام الأمني" بعقيدة غزة

بصفتي محرراً في "عالم محير٨٣"، أرى أن ما يحدث في جنوب لبنان ليس مجرد عملية عسكرية لإعادة سكان الشمال، بل هو محاولة إسرائيلية لفرض "هندسة جغرافية وأمنية" جديدة تحاكي ما يحدث في قطاع غزة. إسرائيل تتبنى اليوم رأياً صريحاً وجريئاً: لا أمان بدون احتلال أو سيطرة نارية مباشرة. الحديث عن انسحاب متدرج وبشروط هو في الحقيقة محاولة لشرعنة وجود عسكري طويل الأمد، حيث تريد تل أبيب أن تصبح سماء لبنان وأرضه تحت رقابتها اللحظية، وهو ما يعني عملياً إلغاء سيادة الدولة اللبنانية وتحويلها إلى "كانتون" أمني.

التحليل العميق للسياق يشير إلى أن إسرائيل وقعت في فخ الغرور العسكري؛ فهي تعتقد أن تدمير الحجر سيقتل إرادة المقاومة، بينما التاريخ يثبت أن الاحتلال هو المحفز الأول لنمو حركات التحرر. إن شرط "حرية الحركة للجيش الإسرائيلي" الذي تصر عليه تل أبيب هو وصفة لحرب استنزاف لن تنتهي. الحقيقة المرة هي أن إسرائيل لا تملك استراتيجية خروج واضحة، والانسحاب المتدرج الذي تتحدث عنه الصحافة العبرية ليس سوى هروب إلى الأمام من استحقاق الاعتراف بأن القوة العسكرية لا يمكنها حل معضلة سياسية وديموغرافية معقدة كجنوب لبنان. نحن أمام سيناريو استنزاف متبادل، حيث تصبح الأرض اللبنانية ثقباً أسود يبتلع مقدرات الجميع دون أفق للحل.

🌍 ENGLISH VERSION

The Trap of 'Gradual Withdrawal': How Israel Redraws Southern Lebanon's Map Through Conditional Force

While diplomatic corridors buzz with promises of calm, 'Yedioth Ahronoth' leaks reveal a different side of the conflict; Israel does not intend to withdraw from southern Lebanon soon, but rather seeks to impose a field reality that turns border villages into buffer zones under unilateral conditions.

Background: The Evolution of Operation Northern Arrows

Since the official launch of the ground operation on September 30, 2024, the conflict between Israel and Hezbollah has shifted from a war of attrition to a direct territorial confrontation. Israel claims its objective is the destruction of Hezbollah's infrastructure south of the Litani River to allow 60,000 displaced Israelis to return to the Galilee. This escalation followed nearly a year of cross-border fire that began on October 8, 2023.

Dimensions: The Strategy of Destructive Presence

The Israeli military has expanded its operations to include the 98th and 36th Divisions, pushing into multiple sectors of southern Lebanon. Reports indicate that over 30 Lebanese border villages have faced systematic demolition. This approach aims to create a 'geographic vacuum' where Hezbollah cannot re-establish its elite Radwan units. The Israeli military logic dictates that withdrawal without a security guarantee is a strategic suicide, hence the 'gradual' approach mentioned in recent Hebrew media reports.

Implications: Economic and Humanitarian Fallout

The humanitarian toll is staggering, with over 1.2 million Lebanese displaced and more than 3,000 killed since the escalation intensified. Economically, the war is costing Israel approximately 250 million dollars per day, adding immense pressure on the 2025 budget. In Lebanon, the destruction of the agricultural sector in the south represents a long-term blow to the national economy. These pressures drive the diplomatic rush led by US envoy Amos Hochstein.

Stakeholders: The Deadlock of Resolution 1701

Israel demands a '1701 Plus' agreement, which includes the freedom for its Air Force to operate in Lebanese airspace and the right to strike any perceived threat post-withdrawal. On the other hand, the Lebanese government and Hezbollah insist on the literal implementation of UN Resolution 1701 without amendments. Meanwhile, Iran maintains its support for Hezbollah, viewing the southern front as a vital part of its regional deterrent strategy against Tel Aviv.

Analysis: The Gaza Model Applied to Lebanon

The 'Yedioth Ahronoth' report confirms a cynical reality: Israel is applying the 'Gaza Model' to Lebanon—negotiating under fire while refusing to vacate seized territory. This is not a search for peace, but a tactical pause to consolidate military gains. By setting 'impossible conditions,' Israel ensures its continued military presence, effectively turning southern Lebanon into a permanent security zone once again, mimicking the pre-2000 era but with much higher technological and destructive capacity.

📊
هل تعتقد أن إسرائيل ستنجح في فرض منطقة عازلة دائمة في جنوب لبنان؟

المصدر: عالم محير٨٣abuomer83.com

إرسال تعليق

0 تعليقات