قانون الذاكرة ينتصر للشهداء: الجزائر تجرّم الاستعمار الفرنسي وتفتح مواجهة تاريخية مع باريس
في خطوة وُصفت بالتاريخية، صادق البرلمان الجزائري بالإجماع على قانون يجرّم الاستعمار الفرنسي، فاتحًا بذلك صفحة جديدة في التعامل الرسمي مع ملف الذاكرة، ومُنهيًا سنوات طويلة من الجدل السياسي والتاريخي مع باريس.
ويستند القانون الجديد إلى سجل دموي من الجرائم الاستعمارية، مستحضرًا واحدة من أبشع المجازر التي ارتكبتها القوات الفرنسية عام 1845، والمعروفة بـ"محرقة الظهرة"، حيث قُتل أكثر من 800 جزائري حرقًا وخنقًا داخل الكهوف، في جريمة وثّقتها عبارة شهيرة نسبت لقادة الحملة الاستعمارية: *"إذا لجأ الجزائريون إلى كهوفهم فأحرقوهم كالثعالب".
تصنيف شامل لجرائم الاستعمار
ويصنّف التشريع الاستعمار الفرنسي باعتباره "جريمة دولة غير قابلة للتقادم"، ويُحصي نحو 27 نوعًا من الجرائم، جرى تقسيمها إلى عدة فئات رئيسية، أبرزها:
* جرائم العنف المباشر: وتشمل الإعدامات الميدانية والتعذيب المنهجي.
*الجرائم البيئية: المتعلقة بالتجارب النووية والكيميائية ونهب الموارد الطبيعية.
*الجرائم السياسية والاجتماعية: مثل النفي القسري والاعتقالات التعسفية.
*الجرائم الثقافية: المتمثلة في طمس الهوية الوطنية والاعتداء على التراث.
*جرائم الخيانة: المرتبطة بالتعاون مع سلطات الاستعمار.
اعتراف واعتذار وتعويض
ولا يقتصر القانون على توصيف الماضي، بل يُلزم الدولة الجزائرية بالتحرك رسميًا من أجل انتزاع اعتراف واعتذار رسميين من فرنسا، إضافة إلى المطالبة بـتعويض شامل عن الأضرار المادية والمعنوية، واسترجاع الأموال المنهوبة، والأرشيف الوطني، ورفات رموز المقاومة الجزائرية.
ويأتي هذا القانون في سياق ما وصفته السلطات الجزائرية بـ"المعاملة بالمثل"، ردًا على القانون الفرنسي الصادر عام 2005 الذي مجّد الاستعمار. كما ينص التشريع الجزائري على عقوبات صارمة تشمل السجن لمدة تصل إلى 10 سنوات، وغرامة قد تبلغ مليون دينار جزائري لكل من يبرر أو يشيد بالاستعمار الفرنسي.
تفاعل واسع وفرحة شعبية
وعقب إقرار القانون، شهدت منصات التواصل الاجتماعي في الجزائر موجة واسعة من التفاعل، حيث اعتبره كثيرون انتصارًا لدماء الشهداء وإنصافًا للذاكرة الوطنية.
وكتب رشيد معلقًا:
*"هذا قانون ضد الاستعمار وماضي فرنسا الأسود، وليس ضد الشعب الفرنسي الحالي.. نطالب فقط بحق شهدائنا."*
أما عبدو فعبّر عن اعتزازه بالخطوة قائلًا:
*"التاريخ يتكلم اليوم تحت قبة البرلمان.. الاستعمار ليس ماضيًا يُنسى، بل جريمة لا تسقط من الذاكرة."*
في حين انتقد مالك ما وصفه بالتبعية الثقافية، مشددًا على أن:
*"أكبر جريمة هي تهميش اللغة العربية والحنين الدائم لباريس.. التحرر يجب أن يكون ثقافيًا أيضًا."*
واختتم الناشط إسماعيل التفاعل بوصف الخطوة بأنها سيادية وشجاعة، مؤكدًا أن:
*"الجزائر تثبت اليوم أنها لا تساوم على كرامتها وذاكرتها."*
ردود فعل فرنسية ومسار القانون
من جهتها، أعربت وزارة الخارجية الفرنسية عن أسفها لإقرار القانون، معتبرة أنه قد يعقّد جهود استئناف الحوار بين البلدين، مع تأكيدها عدم التدخل في الشأن الداخلي الجزائري.
ومن المنتظر أن يُحال القانون إلى مجلس الأمة للمصادقة النهائية قبل نشره في الجريدة الرسمية ودخوله حيّز التنفيذ. ورغم أن القانون لا يملك أثرًا قانونيًا مباشرًا داخل فرنسا، فإنه يحمل دلالات سياسية قوية ويمنح الجزائر أوراق ضغط دبلوماسية إضافية في ملف الذاكرة التاريخية.
