
اعتراف إسرائيل بصوماليلاند يشعل القرن الإفريقي: مصر تعزّز وجودها العسكري لحماية الصومال وأمن البحر الأحمر
كشفت تقارير صحفية أن مصر أعادت رسم خريطة حضورها العسكري في الصومال، في تحرّك استراتيجي واسع جاء عقب الاعتراف الإسرائيلي الرسمي بإقليم «صوماليلاند» المنفصل، في خطوة وُصفت بأنها الأخطر منذ إعلان الإقليم انفصاله عام 1991.
وبحسب مصادر تحدّثت لصحيفة ذا ناشيونال، يُقدَّر عدد القوات المصرية المنتشرة حالياً في الصومال بنحو عشرة آلاف عنصر، إلى جانب خطط للمشاركة في بعثة حفظ السلام الجديدة التابعة للاتحاد الإفريقي. ويعكس هذا التوسّع تحوّلاً نوعياً في أهداف القاهرة، التي باتت تضع ضمان وحدة الدولة الصومالية ودعم حكومة الرئيس حسن شيخ محمود في صدارة أولوياتها الأمنية.
وجاء الاعتراف الإسرائيلي في ديسمبر/كانون الأول 2025 ليكسر إجماعاً دولياً دام أكثر من ثلاثة عقود، ظلّ خلالها إقليم صوماليلاند، رغم إدارته الذاتية المستقرة، بلا اعتراف دولي. وردّت الحكومة الصومالية بوصف القرار «انتهاكاً صارخاً للسيادة»، في موقف أعاد إلى الأذهان رفضها السابق لاتفاق أولي وقعته صوماليلاند مع إثيوبيا عام 2024 لمنحها منفذاً بحرياً.
القرن الإفريقي… ساحة أمن قومي مصري
تنظر القاهرة إلى القرن الإفريقي بوصفه امتداداً مباشراً لأمنها القومي، لا سيما مع إشرافه على البحر الأحمر الذي تمتلك مصر أكثر من 2000 كيلومتر من سواحله، ويُعد شرياناً حيوياً للتجارة العالمية. وتزداد حساسية الموقع مع تمركز صوماليلاند على خليج عدن، قرب مضيق باب المندب، وفي مواجهة مباشرة لليمن حيث تتصاعد الهجمات العابرة للحدود منذ أواخر 2023.
وتحذّر مصادر مصرية من أن الاعتراف الإسرائيلي قد يفتح الباب أمام تمكين إثيوبيا، الدولة غير الساحلية، من الوصول إلى البحر عبر موانئ صوماليلاند، ما يفاقم التوتر القائم حول ملف مياه النيل. ويرى خبراء أن أي موطئ قدم إسرائيلي في الإقليم قد يُستخدم كورقة ضغط جيوسياسية تهدّد التوازن في البحر الأحمر.
من الدبلوماسية إلى الانتشار الميداني
في مواجهة هذه التحولات، كثّفت مصر خلال السنوات الأخيرة تحالفاتها الإقليمية، وعزّزت علاقاتها مع دول مثل الصومال وجيبوتي، إلى جانب إريتريا وكينيا، بالتوازي مع تقديم دعم فني لدول حوض النيل في محاولة لبناء موقف جماعي حول إدارة الموارد المائية.
كما أبرمت القاهرة اتفاقات لتطوير موانئ استراتيجية في جيبوتي وإريتريا، بهدف رفع قدرتها على استقبال قطع بحرية، في مؤشر على استعدادها لتوسيع نطاق انتشارها البحري.
اتفاق دفاعي ورسائل حاسمة
بدأ الوجود العسكري المصري في الصومال عام 2024 عقب توقيع اتفاقية دفاع مشترك، شملت تقديم دعم عسكري واستخباراتي في مواجهة تنظيم «الشباب». وبعد الاعتراف الإسرائيلي، أعادت القاهرة ضبط مهام قواتها وانتشارها بما يتوافق مع أهداف جديدة، أبرزها منع تفكك الدولة الصومالية أو تحوّلها إلى ساحة نفوذ لقوى إقليمية ودولية.
وأكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال لقاء مع نظيره الصومالي، أن مصر «تدعم وحدة الصومال وأمنه وترفض أي محاولات لفرض واقع سياسي جديد خارج الأطر القانونية الدولية»، مشدداً على استمرار دعم المؤسسات الصومالية في مكافحة الإرهاب وتعزيز الاستقرار.
بين التحذير والتهدئة
ورغم التحذيرات المصرية من تداعيات الاعتراف الإسرائيلي، يرى بعض المحللين أن فرص التصعيد العسكري الشامل لا تزال محدودة. ويعتبرون الخطوة الإسرائيلية جزءاً من سياسة تقليدية تهدف إلى بناء علاقات مع كيانات صغيرة لإعادة تشكيل موازين النفوذ، دون الوصول إلى مواجهة مباشرة.
لكن في القاهرة، يبقى القلق قائماً: فاستقرار الصومال ووحدة أراضيه لم يعودا مسألة تضامن عربي أو إفريقي فحسب، بل تحوّلا إلى خط دفاع متقدّم عن أمن مصر المائي والبحري، في منطقة تعيش على صفيح ساخن من الصراعات والتحالفات المتشابكة.