
تايوان أهم من غرينلاند… لكن ترمب لا يرى أبعد من أطماعه
ما يطرحه الكاتب الأمريكي نيكولاس كريستوف ليس مجرّد رأي صحفي عابر، بل شهادة من داخل المطبخ الأمريكي على واحدة من أخطر لحظات التراخي الإستراتيجي في تاريخ الولايات المتحدة. الفكرة الأساسية صادمة: أمريكا قد تخسر تايوان، ليس لأنها ضعيفة، بل لأن رئيسها لا يكترث.
بينما ينشغل دونالد ترمب بأوهام غرينلاند، وبخطابات القوة الفارغة، تتحرك الصين بهدوء وبمنهجية، وتُجري مناورات عسكرية تحاكي حصار تايوان خطوة بخطوة، دون أن تجد أمامها ردعًا حقيقيًا من واشنطن. لا حاملات طائرات، لا تهديدات واضحة، ولا حتى لغة سياسية حازمة. فقط صمت… أو ما هو أخطر: لامبالاة معلنة.
ترمب، الذي لا يتردد في التلويح بالقوة لانتزاع جزيرة جليدية بعيدة، يتعامل مع تايوان – إحدى ركائز النظام الاقتصادي والتكنولوجي العالمي – وكأنها تفصيل هامشي يمكن التضحية به. في مقابلة مع نيويورك تايمز، قال عن مصير تايوان: «هذا يعود إليه»، في إشارة إلى الرئيس الصيني. عبارة قصيرة، لكنها تحمل رسالة كارثية: الولايات المتحدة قد لا تتدخل.
وهنا تكمن الخطورة. الصين لا تحتاج إلى إعلان حرب مباشر. كل ما تحتاجه هو الشك. الشك في التزام واشنطن. الشك في استعدادها لدفع ثمن المواجهة. وهذا الشك، كما يحذّر كريستوف، قد يكون الشرارة التي تشعل واحدة من أخطر الحروب في القرن الحادي والعشرين، حرب لا تهدد تايوان وحدها، بل الاقتصاد العالمي بأكمله.
تايوان ليست جزيرة عادية. هي القلب النابض لصناعة الرقائق الإلكترونية المتقدمة، العمود الفقري للاقتصاد الرقمي العالمي، والعصب الحيوي للتفوق العسكري الأمريكي نفسه. سقوطها يعني ركودًا عالميًا طويل الأمد، وشللًا في سلاسل التوريد، وتراجعًا استراتيجيًا قد لا تتعافى منه واشنطن لعقود.
لكن ترمب، وفق تحليل الكاتب، لا ينظر إلى العالم بهذه العدسة. هو يرى الصفقات، والرسوم الجمركية، والاستعراضات الشعبوية. وحين ردّت الصين على حربه التجارية بتقييد صادرات المعادن النادرة، انكشف ضعفه الحقيقي. فجأة، أصبحت أمريكا نفسها رهينة لسلاسل الإمداد الصينية، وفقد ترمب القدرة على التصعيد.
النتيجة؟ رئيس أمريكي يتجنب المواجهة مع بكين، ويتجاهل تحذيرات البنتاغون، الذي يؤكد أن الصين تستعد لأن تكون قادرة على غزو تايوان والانتصار بحلول 2027. وبينما تدق وزارة الدفاع ناقوس الخطر، يواصل ترمب الهروب إلى الأمام، مطاردًا أوهام غرينلاند، وكأنها جائزة استراتيجية تعوّضه عن فشله في آسيا.
الكاتب يضع حلّين واضحين: هزيمة روسيا في أوكرانيا لإرسال رسالة ردع للصين، وبناء تحالف دولي صلب حول تايوان. لكن ترمب لا يفعل هذا ولا ذاك. بل يفعل العكس تمامًا: يضعف الحلفاء، يربك الخصوم، ويترك أخطر الملفات الجيوسياسية معلّقة على مزاجه الشخصي.
الخلاصة قاسية، لكنها ضرورية:
الخطر على تايوان لا يأتي فقط من الصين، بل من رئيس أمريكي لا يرى في العالم إلا ما يخدم طموحه اللحظي. وبين غرينلاند وتايوان، قد يختار ترمب الجليد… ويترك العالم يحترق.