
حكومة السلام بقيادة ترامب: مشروع دولي جديد لإدارة غزة بين وعود الإعمار ومخاوف الهيمنة
في خطوة أثارت جدلًا واسعًا على المستويين الإقليمي والدولي، يقود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحركًا سياسيًا جديدًا تحت مسمّى “حكومة” أو “مجلس السلام”، موجّهًا دعوات رسمية إلى رؤساء دول عربية وإسلامية وغربية للانضمام إلى إطار دولي جديد يُفترض أن يتولى إدارة مرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة، سياسيًا وأمنيًا إنسانيا.
المبادرة، التي كُشف عنها عبر تسريبات وتصريحات صادرة عن البيت الأبيض، تُعد واحدة من أكثر المشاريع طموحًا وإثارة للانقسام منذ سنوات، إذ تسعى إلى تجاوز الأطر الدولية التقليدية وإعادة رسم خريطة إدارة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
دعوات عابرة للأقاليم: من العالم العربي إلى الغرب
بحسب المعلومات المتداولة، وجّه ترامب دعوات إلى عدد من قادة الدول العربية والإسلامية، من بينها مصر، الأردن، تركيا، ودول خليجية، إضافة إلى دول غربية كبرى مثل بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، كندا وأستراليا.
ويهدف هذا التنوع الجغرافي والسياسي إلى منح المجلس غطاءً دوليًا واسعًا، وإظهاره كتحالف عابر للثقافات لا كأداة أمريكية خالصة، رغم أن واشنطن ستكون صاحبة الدور القيادي والقرار الأثقل.
ما هي “حكومة السلام”؟
وفق التصور الأمريكي، فإن “حكومة السلام” ليست حكومة بالمعنى التنفيذي التقليدي، بل هيئة دولية متعددة الأطراف تتولى:
الإشراف على المرحلة الانتقالية في قطاع غزة
إدارة الملفين الأمني والإداري بعد توقف العمليات العسكرية
تنسيق المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار
وضع أسس نظام حكم مدني جديد في القطاع
التحضير لمسار سياسي طويل الأمد للنزاع
الخطط المعلنة لقطاع غزة وأهله
تشير الوثائق والتصريحات المسربة إلى أن خطة “حكومة السلام” ترتكز على عدة محاور أساسية:
1. إدارة مؤقتة للقطاع
إقامة إدارة انتقالية غير فصائلية، تضم شخصيات فلسطينية “تكنوقراطية”، تعمل تحت إشراف المجلس، مع استبعاد الحركات المسلحة من الحكم المباشر.
2. الملف الأمني
إعادة هيكلة المنظومة الأمنية في غزة، مع طرح أفكار حول:
وجود قوة أمنية متعددة الجنسيات
نزع سلاح الفصائل تدريجيًا
ضمان أمن إسرائيل ومنع عودة المواجهات
3. إعادة الإعمار
إطلاق برنامج إعمار واسع بتمويل دولي، يركز على:
البنية التحتية (الكهرباء، المياه، الطرق)
الإسكان
إعادة تشغيل الموانئ والمعابر مع ربط التمويل بالتزام الإدارة الجديدة بالشروط السياسية والأمنية.
4. الشق الإنساني
تحسين الأوضاع المعيشية لسكان غزة عبر:
فتح المعابر بشكل منظم
توفير فرص عمل
إعادة بناء المنظومة الصحية والتعليمية
الهيكل القيادي: شخصيات مثيرة للجدل
أعلن البيت الأبيض أن المجلس سيضم شخصيات بارزة، من بينها:
ماركو روبيو (وزير الخارجية الأمريكي)
جاريد كوشنر (مهندس “صفقة القرن”)
توني بلير (رئيس الوزراء البريطاني الأسبق)
ستيف ويتكوف (مبعوث خاص)
وجود هذه الأسماء، خاصة كوشنر وبلير، أعاد إلى الواجهة مخاوف من إعادة تدوير أفكار سابقة فشلت في تحقيق سلام عادل.
تحليل سياسي: سلام أم إعادة هندسة للمنطقة؟
سياسيًا، يرى مؤيدو الخطة أنها:
محاولة جريئة لكسر الجمود
بديل عملي لفشل المسارات الأممية
فرصة لإنهاء حكم الفصائل وإعادة الإعمار
في المقابل، يعتبر منتقدوها أنها:
تُهمّش القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني
تُعيد إنتاج الوصاية الخارجية
تمنح إسرائيل مكاسب أمنية دون التزامات سياسية واضحة
تتجاوز حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم
الزاوية الحقوقية: مخاوف من شرعنة الواقع المفروض
من منظور حقوقي، تبرز عدة إشكالات:
غياب ضمانات واضحة لحقوق اللاجئين
عدم النص الصريح على إقامة دولة فلسطينية
ربط الإعمار بشروط سياسية
احتمال شرعنة نتائج الحرب بدل محاسبة المسؤولين عنها
منظمات حقوقية ترى أن الخطة قد تتحول إلى إدارة للأزمة لا حلًا لها.
الرأي الشعبي الفلسطيني والعربي
شعبيًا، تسود حالة من الشك والحذر:
فلسطينيون في غزة يخشون أن تكون الخطة مدخلًا لتجريدهم من القرار والسيادة.
أصوات عربية ترى في المبادرة محاولة لتصفية القضية تحت شعار “السلام”.
آخرون، أنهكتهم الحرب، ينظرون للخطة كفرصة أخيرة للخروج من الجحيم الإنساني.
الخلاصة: مشروع مفتوح على كل الاحتمالات
“حكومة السلام” التي يقودها ترامب تمثل منعطفًا حادًا في طريقة التعاطي مع غزة والصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. فهي تحمل وعودًا كبيرة بالإعمار والاستقرار، لكنها في الوقت نفسه تثير أسئلة عميقة حول السيادة، العدالة، والتمثيل الحقيقي للشعب الفلسطيني.
بين من يراها فرصة تاريخية، ومن يعدّها إعادة صياغة للصراع بوجه جديد، يبقى مصير هذه المبادرة مرهونًا بقدرتها على تحقيق سلام عادل، لا مفروض… وسلام يحترم الإنسان قبل الحسابات السياسية.