
تسليم آخر جثة… حين لا تنتهي الحروب بل تغيّر وجوهها
لم يكن تسليم آخر جثة مجرد إجراء إنساني متأخر، ولا تفصيلًا عابرًا في نهاية حرب دامية على قطاع غزة، بل لحظة رمزية ثقيلة الدلالة، تؤذن بانتقال الصراع من طور النار المفتوحة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة: مرحلة إعادة تشكيل الواقع السياسي والأمني للقطاع.
فالحروب، كما تثبت التجارب الحديثة، لا تنتهي حين تصمت المدافع، بل حين يُحسم شكل اليوم التالي. وغزة، بعد شهور من الدمار والقتل والحصار، تقف اليوم على عتبة “ما بعد الحرب”؛ مرحلة تُدار فيها المعركة بأدوات السياسة، والضغط الدولي، وإعادة الإعمار المشروط، والهندسة الأمنية.
هدنة هشة واختبار نوايا
الهدنة القائمة لا تمثل سلامًا، بل توقفًا مؤقتًا لإطلاق النار، يخضع لاختبارات يومية. فكل خرق محدود، وكل تأخير في تنفيذ بند، وكل تصعيد إعلامي أو ميداني، يحمل في طياته إمكانية الانفجار مجددًا.
إسرائيل تتعامل مع الهدنة باعتبارها أداة لإعادة التموضع لا نهاية للصراع، بينما تُراهن أطراف إقليمية ودولية على تثبيتها كمدخل لترتيب المشهد الجديد في غزة، بما يقلّص قدرة المقاومة ويعيد ضبط المعادلة الأمنية.
غزة… ساحة لإعادة التشكيل
الحديث لم يعد عن وقف الحرب فقط، بل عن:
من يحكم غزة؟
من يسيطر أمنيًا على القطاع؟
ما هو دور الفصائل المسلحة؟
ومن يمسك بمفاتيح الإعمار والتمويل؟
تُطرح سيناريوهات متعددة، من إدارة فلسطينية “معدّلة”، إلى وصاية دولية غير معلنة، وصولًا إلى ترتيبات أمنية هجينة، تضمن لإسرائيل ما تسميه “الأمن طويل الأمد”، حتى لو كان ذلك على حساب السيادة الفلسطينية.
الإعمار كسلاح سياسي
إعادة الإعمار، التي يفترض أن تكون مسارًا إنسانيًا بحتًا، تتحول اليوم إلى أداة ضغط سياسي. فالأموال مشروطة، والمشاريع مراقبة، والمساعدات مربوطة بتفاهمات أمنية واضحة، في محاولة لفرض واقع جديد لا يشبه ما قبل الحرب.
وهنا تكمن الخطورة: أن يتحول الدمار الهائل إلى فرصة لإعادة صياغة غزة وفق شروط المنتصر عسكريًا، لا وفق حقوق سكانها المنكوبين.
ما بعد الجثث… معركة الرواية
حتى تسليم الجثث لم يخرج من كونه ساحة صراع بحد ذاته. فكل طرف يحاول توظيف اللحظة لصالح روايته:
رواية “الحسم والردع”.
أو رواية “الصمود والبقاء”. وفي هذا الاشتباك السردي، تُرسم ملامح المرحلة المقبلة، وتُحدد شرعية الأطراف أمام شعوبها وأمام المجتمع الدولي.
خاتمة: السلام المؤجل
تسليم آخر جثة لا يعني أن الموت غادر غزة، بل أن شكله تغيّر. فالحرب اليوم تُدار بصمت، عبر الخرائط السياسية، والمفاوضات الخلفية، والوقائع التي تُفرض تدريجيًا على الأرض.
وغزة، التي صمدت أمام النار، تُختبر اليوم أمام أخطر المراحل: مرحلة ما بعد الحرب، حيث يُراد لها أن تُهزم سياسيًا إن عجز السلاح عن كسرها.