
نتنياهو يرسم “اليوم التالي” لغزة: نزع السلاح قبل الإعمار… والسيطرة قبل السياسة
في سلسلة تصريحات متتابعة، كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوضوح غير مسبوق ملامح الرؤية الإسرائيلية لما بعد الحرب على غزة، رؤية لا تتعامل مع الهدنة باعتبارها نهاية للصراع، بل بوصفها محطة انتقالية نحو فرض واقع جديد شامل، أمنيًا وسياسيًا وإنسانيًا.
إعلان “استكمال مهمة إعادة جميع المختطفين” لم يكن خاتمة للحرب، بل كان تمهيدًا للانتقال إلى ما يسميه نتنياهو “المهمتين الأخيرتين”: نزع سلاح حماس ونزع السلاح من كامل قطاع غزة، وهو توصيف يعكس نية إبقاء القطاع تحت ضغط عسكري وسياسي مفتوح.
غزة بلا تهديد… وفق المفهوم الإسرائيلي
حين يقول نتنياهو إن “غزة لن تشكل تهديدًا مرة أخرى”، فإنه لا يتحدث فقط عن تحييد فصائل المقاومة، بل عن إعادة هندسة البيئة الأمنية للقطاع بالكامل، بما يمنع أي قدرة مستقبلية على إعادة بناء القوة، سواء كانت عسكرية أو حتى تنظيمية.
هذا التصريح يضع غزة أمام معادلة قاسية:
الأمن الإسرائيلي أولًا، والسيادة الفلس
طينية مؤجلة إلى أجل غير مسمى.
رفض الأدوار الإقليمية: لا أتراك ولا قطريين
برفضه إدخال قوات تركية أو قطرية إلى غزة، يقطع نتنياهو الطريق على أي ترتيبات أمنية إقليمية قد تُخفف من القبضة الإسرائيلية المباشرة أو غير المباشرة.
الرسالة واضحة:
أي وجود أجنبي يجب أن يكون منسجمًا تمامًا مع الرؤية الإسرائيلية، لا وسيطًا متوازنًا أو ضامنًا محايدًا.
الإعمار كسيف مسلط
أخطر ما في تصريحات نتنياهو هو ربطه الصريح بين إعادة إعمار غزة ونزع السلاح منها. فالإعمار هنا لا يُقدَّم كحق إنساني لمليوني إنسان، بل كأداة ضغط سياسي وأمني.
بهذا المنطق، يصبح الدمار وسيلة تفاوض، ويُحوَّل الاحتياج الإنساني إلى ورقة ابتزاز، تُستخدم لفرض شروط المنتصر على المهزوم.
استبعاد السلطة الفلسطينية
إقرار نتنياهو بعدم اعتقاده بأن السلطة الفلسطينية ستتولى إدارة غزة، بحجة “الشروط التعجيزية التي وضعها ترامب”، يعكس رفضًا إسرائيليًا ضمنيًا لأي عودة فعلية للسلطة، حتى بصيغة معدّلة أو منزوعة الصلاحيات.
وهنا يبرز السؤال الأخطر:
إذا لم تكن حماس، ولا السلطة، ولا أطراف إقليمية… فمن يدير غزة؟
نحو فراغ سياسي مُدار
مجمل هذه التصريحات تشير إلى سيناريو واحد:
فراغ سياسي فلسطيني، يُدار أمنيًا من الخارج، وتُضبط تفاصيله عبر شروط دولية وإسرائيلية صارمة.
غزة، وفق هذه الرؤية، لا يُراد لها أن تُحكم، بل أن تُضبط.
ولا يُراد لها أن تُعاد بناؤها، بل أن تُعاد صياغتها.
خاتمة: حرب بلا دخان
قد تتوقف الغارات، وقد تُسلَّم الجثث، لكن الحرب – وفق رؤية نتنياهو – لم تنتهِ.
لقد انتقلت فقط من ساحة النار إلى ساحة القرارات، ومن الدبابات إلى الشروط، ومن الصواريخ إلى الخرائط السياسية.
وغزة اليوم تقف أمام أخطر مراحلها:
مرحلة يُراد فيها نزع سلاحها… ثم نزع قرارها… ثم نزع حقها في تقرير مصيرها.