
فيروز… حين يغنّي الصوت من قلب الفقد
سيرة الألم الذي صنع أيقونة لا تتكرر
ليس أقسى على الإنسان من أن يفقد من يحب وهم أحياء في قلبه، لكن الأقسى – وربما الأشد وجعًا – أن يرى أبناءه يرحلون واحدًا تلو الآخر، وأن يظل واقفًا، صامتًا، شاهدًا على الفقد.
هذه ليست مقدمة شعرية، بل مدخل حقيقي إلى حياة فيروز؛ المرأة التي اعتاد الناس أن يسمعوها ملاكًا يغني، ولم يتخيلوا يومًا حجم الألم الذي سكن خلف ذلك الصوت.
من زقاق الفقر إلى نافذة الراديو
وُلدت نهاد وديع حداد في 20 نوفمبر 1934، في أحد أحياء بيروت الفقيرة، داخل بيت صغير لا يكاد يتسع لعائلة معدمة، تتشارك المطبخ والحمام مع الجيران. كان والدها عاملًا بسيطًا في مطبعة، بالكاد يستطيع توفير لقمة العيش، فضلًا عن تعليم أبنائه.
دخلت نهاد المدرسة متأخرة، وكانت فتاة شديدة الخجل، منطوية، لا تلعب مع الأطفال، ولا تغادر المنزل. نافذتها الوحيدة على العالم كانت صوت الراديو القادم من بيوت الجيران؛ تقف خلف الشباك، تستمع، وتدندن في صمت.
الصدفة التي غيرت المصير
عام 1947، كان الموسيقار محمد فليفل يبحث عن أصوات جميلة من المدارس للغناء في الإذاعة اللبنانية. حين سمع صوت نهاد، أدرك أنه أمام شيء نادر. حاول إقناع والدها، الذي رفض في البداية فكرة أن تغني ابنته أمام الناس، لكن إصرار فليفل وتكفله بالمصاريف فتح الباب لأول خطوة.
في الإذاعة، سمعها حليم الرومي، مدير الإذاعة حينها، فانبهر بصوتها، ورأى فيه قلبًا يغني قبل الحنجرة. هو من اختار لها اسمها الفني: فيروز، رغم أنها لم تحبه في البداية، لكن خجلها منعها من الاعتراض.
الرحابنة… والولادة الفنية الكبرى
في مطلع الخمسينيات، جمعها حليم الرومي بعاصي ومنصور الرحباني. في البداية لم يقتنع الأخوان كثيرًا بصوتها، لكن التجربة أثبتت العكس.
نجحت الأغاني، وانتشر صوت فيروز في لبنان، بينما بقيت صاحبة الصوت مختبئة خلف الميكروفون، خجولة من الظهور أو إجراء الحوارات، حتى ظهرت لأول مرة في حوار صحفي عام 1951، كشفت فيه فقرها وقلة أجرها، فتعاطف الناس معها، وتحسن وضعها المادي.
زواج وحلم… لم يكتمل
عام 1955، تزوجت فيروز من عاصي الرحباني. خلال أشهر قليلة، سجّلت عشرات الأغاني، والتقت بمحمد عبد الوهاب، الذي وصف صوتها بأنه «من خيوط الفضة».
لكن السعادة لم تكتمل. أنجبت ابنها هالي عام 1958، ثم أصيب بعد أشهر بمرض دمّر جهازه العصبي، وأدخله في إعاقة جسدية وعقلية دائمة. ألغت فيروز حفلاتها، ونسيت أنها نجمة، وتذكرت فقط أنها أم.
الفقد الأول… ثم يتوالى النزيف
عام 1961، وبينما كانت تسجل أغنية «يا جارة الوادي»، جاءها خبر وفاة والدتها فجأة. انهارت فيروز، دخلت في اكتئاب حاد، واعتزلت الغناء فترة طويلة.
عادت لاحقًا، لكن الحزن لم يفارقها. أنجبت ابنتها ريما، ثم واصلت العمل وسط إحساس دائم بأن الفرح ناقص.
عاصي… العبقرية القاسية
كان عاصي الرحباني قائد المشروع الفني، وصاحب الكلمة الأخيرة في كل شيء. اعتمدت فيروز عليه اعتمادًا شبه كامل، وخافت فقدانه.
عام 1972، أصيب بنزيف حاد في الدماغ، كاد يودي بحياته. عاشت فيروز رعبًا حقيقيًا، وظهرت لأول مرة قوة ابنها زياد، الذي بدأ يلمع كملحن شاب.
الحرب… وانكسار الوطن
مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، اعتزلت فيروز الغناء داخل لبنان. بيتها تضرر، والبلد احترق، لكنها رفضت مغادرة الوطن، لأن اللبنانيين كانوا يرون في وجودها رمزًا للأمان وسط الخراب.
مصر… الجرح الذي لم يلتئم
حفلاتها في مصر عام 1976 تحولت إلى أزمة إعلامية بسبب مقارنة غير مقصودة بينها وبين أم كلثوم. هوجمت في الصحافة، وتألمت بصمت، وتركت مصر وهي تحمل جرحًا لم يُشفَ أبدًا.
الانفصال، ثم الرحيل
تدهورت علاقتها بعاصي، وغادرت بيت الزوجية عام 1978.
لكنها عادت لتمريضه في سنواته الأخيرة، حتى رحل عام 1986. وبعده بعامين، فقدت ابنتها ليالي فجأة بنزيف في الدماغ، وسط شائعات جارحة زادت الألم ألمًا.
صراعات لا تنتهي
دخلت في نزاعات قانونية مع منصور الرحباني وورثته حول حقوق الأغاني والمسرحيات، ووصل الأمر إلى منعها من أداء أعمال هي جزء من ذاكرتها وصوتها.
الوحدة… حتى النهاية
تباعدت عن ابنها زياد سنوات طويلة، ثم عاد الفقد مجددًا:
رحل زياد عام 2025، ثم تبعه هالي عام 2026، الابن الذي رعته فيروز بيديها حتى آخر لحظة، وأصرت أن يبقى في البيت، لا في مستشفى.
فيروز… الصمت الأخير
في جنازات أبنائها، جلست فيروز صامتة، كما عاشت معظم مآسيها: بلا ضجيج، بلا شكوى.
امرأة عاشت التراجيديا كاملة، وأثبتت أن الإبداع العظيم لا يولد إلا من قلب المعاناة.
فيروز لم تكن مجرد صوت… كانت ذاكرة ألم غنّت، فصارت وطنًا.