سياسة الردع المهتزة: الضاحية تحت النار والمسيرات تخرق عمق الشمال الإسرائيلي
تتصارع القوة التكنولوجية الإسرائيلية مع تكتيكات 'حرب الأشباح' التي ينتهجها حزب الله، حيث تحولت ضاحية بيروت الجنوبية إلى ساحة لتصفية الحسابات الجوية بينما تفشل القبة الحديدية في اعتراض مسيرات انتحارية تستهدف العمق.
خلفية الحدث: من المناوشات إلى الحرب الشاملة
منذ الثامن من أكتوبر 2023، انخرط حزب الله فيما أسماه 'جبهة إسناد غزة'، لكن الأمور لم تبقَ ضمن قواعد الاشتباك التقليدية. في أواخر عام 2024، وتحديداً بعد تفجيرات 'البيجر' واغتيال الأمين العام للحزب حسن نصر الله في 27 سبتمبر، انتقلت إسرائيل إلى مرحلة 'سهام الشمال'. الهدف المعلن كان تدمير البنية التحتية للحزب وتأمين عودة سكان شمال إسرائيل. الضاحية الجنوبية لبيروت، التي تُعد المعقل السياسي والأمني للحزب، تعرضت لمئات الغارات الجوية التي لم تستهدف المباني فحسب، بل استهدفت ما تدعي إسرائيل أنها 'مخازن أسلحة استراتيجية' تقع تحت أحياء مدنية مكتظة مثل حارة حريك والحدث والليلكي.
في المقابل، رد حزب الله بتطوير منظومته الهجومية، حيث انتقل من صواريخ الكاتيوشا قصيرة المدى إلى استخدام مكثف للمسيرات الانتحارية (الانقضاضية). هذه المسيرات، التي تتميز بقدرتها على الطيران بارتفاعات منخفضة وتغيير مساراتها، شكلت كابوساً لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية. الحادثة الأخيرة التي أدت إلى ضرب الضاحية جاءت بعد نجاح مسيرات الحزب في اختراق الدفاعات والوصول إلى مناطق حيوية في الجليل وحيفا، مما دفع الجيش الإسرائيلي لتبني سياسة 'الرد الفوري والقاسي' عبر تدمير مجمعات سكنية كاملة في قلب العاصمة اللبنانية بيروت.
أبعاد الصراع: تكنولوجيا المسيرات مقابل السيادة الجوية
تتجاوز أبعاد هذا الصراع مجرد تبادل لإطلاق النار؛ إنها مواجهة بين عقيدتين عسكريتين مختلفتين تماماً. إسرائيل تعتمد على 'عقيدة الضاحية' التي تقوم على استخدام القوة النارية الهائلة لتدمير الحاضنة الشعبية للعدو، بينما يعتمد حزب الله على 'تكتيك البعوضة'، حيث يستخدم مسيرات رخيصة الثمن (مثل مرصاد-1 وصياد-107) لاستنزاف صواريخ 'تامير' التي تكلف القبة الحديدية ملايين الدولارات. المسيرات التي سقطت مؤخراً في شمال إسرائيل أثبتت أن الحزب لا يزال يمتلك 'القدرة على القيادة والسيطرة' رغم الضربات القاصمة التي تلقاها جهازه اللاسلكي وقيادته العليا.
البعد التقني يظهر في عجز الرادارات الإسرائيلية أحياناً عن رصد الأجسام الصغيرة ذات البصمة الرادارية المنخفضة. هذا الفشل التقني يترجم سياسياً إلى ضغط هائل على حكومة بنيامين نتنياهو من قبل المستوطنين في الشمال الذين يرفضون العودة دون 'نصر ساحق'. ومن هنا، نجد أن قصف الضاحية ليس دائماً لتحقيق هدف عسكري مباشر، بل هو رسالة سياسية داخلية للجمهور الإسرائيلي بأن الجيش لا يزال يمتلك المبادرة وقادر على ضرب 'قلب العدو' في كل مرة تتعرض فيها حيفا أو عكا للتهديد.
التداعيات: لبنان بين الركام والنزوح المليوني
الأرقام الصادرة عن وزارة الصحة اللبنانية ولجنة الطوارئ الحكومية ترسم لوحة قاتمة؛ فقد تجاوز عدد الشهداء 3400 والجرحى أكثر من 14000، مع نزوح ما يقرب من 1.2 إلى 1.4 مليون شخص من الجنوب والضاحية والبقاع. تدمير الضاحية الجنوبية يعني شلل المركز الاقتصادي والخدماتي لمئات الآلاف من اللبنانيين، حيث تحولت أحياء كاملة إلى أكوام من الركام. البنك الدولي حذر من أن خسائر لبنان الاقتصادية قد تتجاوز 8.5 مليار دولار، وهو رقم مرعب لبلد يعاني أصلاً من انهيار مالي منذ عام 2019.
على الجانب الآخر، فإن التداعيات في إسرائيل ليست أقل وطأة من الناحية الاستراتيجية. نزوح 60 ألف إسرائيلي من الشمال يعطل الزراعة والصناعة في الجليل، ويكلف ميزانية الدولة مليارات الشواكل شهرياً كتعويضات وبدلات سكن. إن استمرار سقوط المسيرات يعني أن 'المنطقة العازلة' التي تحاول إسرائيل إنشاءها في جنوب لبنان لم توفر الأمان المطلوب، بل وسعت دائرة النار لتشمل مناطق لم تكن ضمن حسابات الحرب السابقة في عام 2006.
الأطراف المعنية: تحالفات الظل والدبلوماسية المتعثرة
يدخل في هذا الصراع أطراف متعددة، فإسرائيل مدعومة بغطاء أمريكي سياسي وعسكري واسع، ترى في هذه الحرب فرصة لإنهاء تهديد حزب الله لعقود قادمة. أما حزب الله، فيستند إلى محور 'وحدة الساحات' بدعم إيراني لوجستي وتقني واضح، حيث تعتبر طهران أن بقاء الحزب قوياً هو خط الدفاع الأول عن أمنها القومي. في الوسط، تقف الدولة اللبنانية بجيشها المحدود الإمكانيات ومؤسساتها المشلولة، تحاول عبر رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ورئيس البرلمان نبيه بري الوصول إلى صيغة لوقف إطلاق النار تستند إلى القرار الأممي 1701، لكن بشروط لا تكسر هيبة المقاومة ولا تعطي إسرائيل نصراً مجانياً.
الدور الأمريكي، الذي يمثله المبعوث آموس هوكشتاين، يبدو متذبذباً بين الرغبة في التهدئة قبل الانتخابات أو تغيرات الإدارة، وبين إعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل لإضعاف نفوذ إيران في المنطقة. هذا التشابك يجعل من الصعب الوصول إلى حل دبلوماسي قريب، طالما أن كل طرف يرى في التراجع 'هزيمة وجودية'. إن الحقيقة المرة هي أن لبنان بات ساحة لتصفية حسابات إقليمية كبرى، حيث تدفع الضاحية والجنوب ثمن التوازنات بين واشنطن وطهران.
الموقف والتحليل: حقيقة النصر المفقود وفشل القوة الغاشمة
بصفتي محرراً في 'عالم محير٨٣'، أقولها بكل صراحة: إن ما يحدث في الضاحية الجنوبية لبيروت ليس مجرد رد فعل عسكري، بل هو إعلان فشل في تحقيق الردع. عندما يلجأ جيش يمتلك أحدث الطائرات من طراز F-35 إلى مسح أحياء سكنية بالكامل رداً على مسيرة 'انتحارية' واحدة، فهذا يعني أن التفوق التكنولوجي لم يعد كافياً لحسم المعارك الحديثة. إسرائيل تعيش حالة من 'النشوة العسكرية الزائفة' بعد الاغتيالات، لكنها تصطدم بواقع مرير على الأرض؛ فالجندي الذي يطلق المسيرة من خندق في الجنوب لا يحتاج إلى قيادة مركزية ليعرف هدفه.
التحليل المعمق يشير إلى أن إسرائيل تكرر خطأ عام 2006 ولكن بنسخة أكثر دموية. قصف بيروت لن يوقف المسيرات، بل سيزيد من دافعية الجيل الجديد من مقاتلي الحزب للانتقام. إن الحل العسكري الذي ينشده نتنياهو هو 'وهم'، لأن حزب الله تحول من منظمة إلى 'أيديولوجيا مسلحة' لا يمكن سحقها بالطيران. الموقف الواضح هنا هو أن استمرار استهداف المدنيين في الضاحية هو جريمة حرب مكتملة الأركان تتستر بعباءة 'الضرورة العسكرية'، وفي نهاية المطاف، لن يخرج أحد من هذه الحرب 'منتصراً'؛ فإسرائيل ستفقد أمنها طويل الأمد، ولبنان سيفقد ما تبقى من كيانه العمراني، والرابح الوحيد هو تجار السلاح ومروجي الحروب الأبدية.
Shaken Deterrence: Beirut's Suburbs Under Fire as Drones Pierce Northern Israel
As Israel's technological prowess clashes with Hezbollah's 'ghost war' tactics, Beirut's southern suburbs have become a theater for aerial retaliation while the Iron Dome struggles against suicide drones targeting Israel's interior.
Background of the Conflict
The recent escalation between Israel and Hezbollah has reached a critical turning point following the launch of the 'Northern Arrows' operation in late September 2024. What began as a 'support front' for Gaza on October 8, 2023, has evolved into a full-scale regional conflict. The Israeli military has intensified its strikes on the Southern Suburbs of Beirut (Dahieh), targeting what it describes as command centers and weapons caches. This shift followed the assassination of senior leadership figures, most notably Hassan Nasrallah on September 27, 2024.
On the other hand, Hezbollah has transitioned from localized rocket fire to sophisticated drone warfare. The group’s ability to penetrate Israeli airspace with low-altitude, high-speed drones has bypassed traditional radar systems. These drones, often of the 'Ababil' or 'Sayyad' series, have targeted sensitive military sites near Haifa and Safed, creating a new tactical reality that challenges Israel's air superiority and its internal security stability.
Strategic Dimensions
The strategic dimension of this conflict lies in the 'equation of deterrence.' Israel aims to implement the 'Dahieh Doctrine'—a military strategy of disproportionate force used to destroy civilian and military infrastructure to deter further attacks. However, the continuous drone strikes into Israel suggest that the organizational structure of Hezbollah remains resilient. The use of drones represents a cost-effective asymmetrical threat that negates the multi-billion dollar investment in the Iron Dome and David’s Sling systems.
Global and Local Implications
Humanitarianly, the situation in Lebanon is catastrophic. Over 1.4 million people have been displaced, and the death toll has exceeded 3,000 since October 2023, according to the Lebanese Ministry of Public Health. In Israel, the displacement of 60,000 residents from the north remains a significant political burden for Netanyahu's government. Economically, the war costs billions in military expenditure and loss of productivity, threatening the regional stability of the Eastern Mediterranean.
The Involved Parties
The primary actors are the IDF and Hezbollah, but the shadow of Iran looms large as the main supplier of drone technology. Meanwhile, the United States continues its diplomatic efforts, led by Amos Hochstein, to reach a ceasefire based on UN Resolution 1701. The Lebanese government, led by Najib Mikati, finds itself in a precarious position, unable to control the military activities of Hezbollah while pleading for international protection against Israeli bombardment.
Analysis and Final Stance
The current military logic suggests a stalemate. Israel cannot stop the drones through air strikes alone, and Hezbollah cannot stop the destruction of Lebanon’s infrastructure. The bold truth is that Israel is failing to achieve its stated goal of 'returning residents to the north' through brute force. This war of attrition is exposing the limits of technology against motivated non-state actors, and unless a diplomatic breakthrough occurs, the entire region is sliding toward a dark abyss of perpetual conflict.
المصدر: عالم محير٨٣ — abuomer83.com
0 تعليقات