
حلب تحترق مجددًا: صدام الدولة واللاعبين المحليين في سوريا ما بعد الأسد
اندلعت في مدينة حلب واحدة من أخطر المواجهات العسكرية منذ سقوط نظام بشار الأسد، بعدما تحولت الخلافات السياسية والعسكرية بين الجيش السوري بقيادة الرئيس أحمد الشرع وقوات سوريا الديمقراطية بقيادة مظلوم عبدي إلى حرب مفتوحة داخل أحياء مدنية مكتظة بالسكان.
وخلال ثلاثة أيام فقط، تسببت المواجهات في تشريد أكثر من 140 ألف مدني، اضطر بعضهم للفرار نحو منطقة عفرين قرب الحدود التركية، بينما لجأ آخرون إلى مراكز إيواء مؤقتة هربًا من القصف المدفعي وراجمات الصواريخ التي طالت أحياء الأشرفية والشيخ مقصود.
من التفاوض إلى المواجهة
ورغم وجود مسار تفاوضي سابق بين الطرفين، توّج بتفاهمات عُرفت باتفاقية 10 مارس، نصّت على وقف إطلاق النار، ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية، وتسليم السلاح الثقيل، ووضع حقول النفط والغاز تحت إدارة الدولة، فإن الخلافات سرعان ما عادت إلى الواجهة.
وترى الحكومة السورية أن قوات سوريا الديمقراطية تنصلت من التزاماتها، خصوصًا فيما يتعلق بالانسحاب من الأحياء الكردية في حلب وتسليم السلاح، في حين تصرّ “قسد” على نموذج اللامركزية ورفض التفكيك الكامل لبنيتها العسكرية، مع مطالبتها بحصة من عائدات النفط والغاز.
حلب… ساحة صراع النفوذ
اختيار حيّي الأشرفية والشيخ مقصود لم يكن عشوائيًا، فهما يمثلان آخر مناطق النفوذ العسكري لقوات “قسد” داخل مدينة حلب. ومع اقتراب الجيش السوري من تنفيذ الاتفاق بالقوة، اندلعت الاشتباكات، واتهم كل طرف الآخر باستخدام المدنيين دروعًا بشرية.
وانتهت المعركة بانسحاب قوات سوريا الديمقراطية من الحيين عبر ممر آمن باتجاه شرق الفرات، مع تسليم السلاح الثقيل، إلا أن المفاجأة كانت في اكتشاف ألغام مزروعة داخل المنازل والمتاجر، ما دفع السلطات لفرض حظر تجول شامل وإعلان المنطقة عسكرية مغلقة.
خلفيات أعمق من معركة
المواجهة في حلب لم تكن معزولة عن سياق أوسع؛ فالعلاقة المتوترة بين الطرفين تعود إلى اتهامات متبادلة بالتحالف مع أطراف خارجية، أبرزها إيران، وفلول النظام السابق، إضافة إلى الدور الأميركي الداعم لقوات “قسد” منذ تأسيسها عام 2015.
في المقابل، تجد دمشق نفسها محاصرة بواقع داخلي شديد التعقيد: أكراد في الشمال، دروز في الجنوب، علويون في الساحل، وتنظيمات مسلحة متفرقة، وسط دولة تسعى لفرض مركزيتها في بلد أنهكته الحرب والانقسام.
التطبيع غير المعلن… والخيارات الصعبة
زاد الجدل بعد تسريبات عن تفاهمات أمنية ودبلوماسية غير معلنة بين دمشق وتل أبيب، اعتبرها خصوم الرئيس أحمد الشرع تنازلًا سياسيًا خطيرًا، بينما يراها مؤيدوه خطوة اضطرارية لتثبيت الحكم ومنع تفكك الدولة.
وبين اتهامات “العمالة” وضغوط البقاء في السلطة، يقف الشرع أمام معادلة معقدة: إما توحيد البلاد بالقوة والتسويات المؤلمة، أو مواجهة عزلة داخلية وخارجية قد تنتهي بإقصائه.
سوريا على حافة الانفجار
ما جرى في حلب ليس سوى إنذار مبكر. فالدولة السورية اليوم تقف فوق حقل ألغام سياسي وعسكري، وأي خطأ في الحسابات قد يشعل مواجهة أوسع، لن يكون المدنيون فيها سوى الخاسر الأكبر.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل ينجح أحمد الشرع في فرض دولة مركزية موحدة، أم تتحول سوريا إلى كيانات متنازعة تُدار من الخارج؟