
فنزويلا في قبضة واشنطن: قراءة في عملية اختطاف مادورو وخفايا الصراع على النفط
كما جرت العادة، يحمل كل أسبوع تطورات سياسية متسارعة تعكس حالة الغليان التي يعيشها العالم. من اليمن الذي باتت ملامح المشهد فيه أكثر وضوحًا، إلى سوريا التي لا تزال فصول أزمتها مفتوحة، مرورًا بإيران حيث الأحداث في بداياتها، وصولًا إلى فنزويلا التي شهدت الحدث الأبرز خلال الأسبوع الماضي: اختطاف رئيسها نيكولاس مادورو في عملية وصفت بأنها أقرب إلى أفلام هوليوود.
العملية، وفق الرواية المتداولة، بدت صادمة من الناحية السياسية والعسكرية معًا. رئيس دولة يُقبض عليه داخل قصره، بل من غرفة نومه، دون أن تتحرك أي من منظومات الدفاع الجوي، أو القوات الجوية، أو البحرية، أو حتى دوائر الحماية المتعددة المفترضة حول أي رئيس دولة. وكأن الجيش الفنزويلي بكل تشكيلاته قد جرى تجاوزه دفعة واحدة، في مشهد يصعب تصديقه من الناحية التقنية والعسكرية.
الأكثر إثارة للريبة أن الرواية الأميركية تحدثت عن اعتقال مادورو داخل غرفة محصنة مخصصة لحماية الرؤساء في حالات الطوارئ، بزعم أنه لم يُحسن إغلاق بابها، وهو تفسير يفتقر إلى الحد الأدنى من المنطق. كما زُعم أن العملية لم تُسفر عن مقتل أي جندي أميركي، مقابل سقوط عشرات من عناصر الحماية، مع تضارب في الروايات حول هويتهم، بين من تقول فنزويلا إنهم جنود فنزويليون، وبين من تصر واشنطن على أنهم كوبيون.
هذا التفصيل ليس عابرًا؛ ففنزويلا تُعد، إلى جانب كوبا، من آخر بقايا المعسكر الاشتراكي في العالم، وهي دولة مناهضة للسياسات الأميركية، وتحافظ على نموذج اقتصادي يتضمن دعم الوقود وبعض السلع الأساسية. لذلك، فإن استهدافها ينسجم مع منطق السياسة الأميركية في الانقضاض على الخصوم الأضعف سياسيًا، والأبعد عن دائرة النفوذ الغربي.
لكن البعد الأهم في المشهد يظل النفط. ففنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، رغم ضعف إنتاجها الحالي الذي لا يتجاوز مليون برميل يوميًا. الولايات المتحدة، التي تحولت منذ 2019 إلى دولة مصدّرة للنفط بفضل النفط الصخري، لا تزال شديدة الحساسية تجاه أسعار الطاقة، نظرًا لتأثيرها المباشر على الاقتصاد الداخلي، وأسعار الوقود، والتضخم، والمزاج الشعبي.
إدارة ترامب، الساعية للحفاظ على أسعار منخفضة للوقود مع اقتراب الانتخابات النصفية، وجدت نفسها عاجزة عن التأثير في أسواق النفط عبر الطرق التقليدية. فروسيا ليست مستعدة للتجاوب، والسعودية، بوصفها قائدًا فعليًا لأوبك، لن تُقدِم على خفض الأسعار بما يضر بميزانيتها. ومن هنا، تبدو فنزويلا خيارًا استراتيجيًا: نفط وفير، نظام معادٍ، وساحة خلفية تاريخية للنفوذ الأميركي في أميركا اللاتينية.
في هذا السياق، أعلن ترامب صراحة عن خطط لإشراك الشركات الأميركية في إعادة بناء البنية التحتية النفطية في فنزويلا، وهو استثمار طويل الأمد يشير بوضوح إلى نية البقاء والسيطرة، لا إلى تدخل عابر. كما أن رفع ميزانية الدفاع، والتقارب مع شركات الطاقة والسلاح، يعكس تكامل المصالح بين السياسة والاقتصاد والعسكر في هذه العملية.
كل ذلك يدفع إلى ترجيح فرضية أن ما جرى لم يكن عملية عسكرية قسرية بالكامل، بل نتيجة صفقة سياسية. تصريحات ترامب السابقة عن تواصله مع مادورو قبل أسبوع من العملية، إضافة إلى غياب أي مقاومة فعلية، وخطاب نائبة الرئيس الفنزويلي الذي خلا من أي خطوات عملية، كلها مؤشرات على تنسيق داخلي سمح بانتقال السلطة بأقل تكلفة.
الأمر اللافت أيضًا هو الصمت الغربي شبه التام حيال اختطاف رئيس يتمتع بحصانة دولية معترف بها من الأمم المتحدة. باستثناء فرنسا، التي وصفت ما جرى بأنه غير قانوني، اكتفى معظم الغرب بالصمت، فيما طالبت الصين وروسيا بإطلاق سراح مادورو. أما الاتهامات الأميركية المتعلقة بتهريب المخدرات، فتبدو أقرب إلى الذريعة القانونية، نظرًا لصعوبة – إن لم يكن استحالة – إثبات تورط رئيس دولة بهذا المستوى في مثل هذه الأنشطة.
في المحصلة، تبدو عملية اختطاف مادورو رسالة متعددة الاتجاهات: إسقاط نظام من بقايا المعسكر الشرقي، وضع اليد على ثروة نفطية هائلة، توجيه تحذير مباشر لإيران وكوبا وكولومبيا، وإعادة ترسيخ صورة الهيمنة الأميركية في محيطها الخلفي.
فنزويلا لم تكن الهدف بحد ذاتها، بل كانت الوسيلة. والرسالة واضحة: من لا يخضع، قد يلقى المصير ذات