
الدروز بين خطاب الحماية ومشاريع التفكيك: قراءة في تصريحات الهجري وحدود الدور الإسرائيلي جنوب سوريا
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، أعادت تصريحات زعيم طائفة الدروز في سوريا حكمت الهجري لصحيفة يديعوت أحرونوت فتح ملف بالغ الحساسية: علاقة إسرائيل بالمناطق الدرزية، وحدود ما يُطرح اليوم من دعوات للحماية، والحكم الذاتي، بل والاستقلال، في سياق تفكك الدولة السورية وتعدد مشاريع النفوذ الإقليمي.
الهجري، الذي وصف إسرائيل بأنها “أنقذت الدروز من الإبادة الجماعية”، لم يكتفِ بانتقاد السلطة في دمشق واتهامها بـ”الوحشية”، بل ذهب أبعد من ذلك حين تحدث صراحة عن منطقة درزية مستقلة، وربط مستقبل الطائفة بعلاقة استراتيجية مع تل أبيب، معتبرا أن سوريا تتجه حتماً نحو التقسيم.
هذه التصريحات، بما تحمله من دلالات سياسية وتاريخية، لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع للصراع في سوريا، ولا عن المصالح الإسرائيلية المتراكمة في الجنوب السوري والمناطق ذات الغالبية الدرزية.
أولاً: الدروز في سوريا… تاريخ من الحذر السياسي
تاريخياً، انتهج الدروز في سوريا سياسة تقوم على الحذر والتموضع بين القوى، مع تمسك واضح بوحدة الدولة السورية، رغم ما تعرضوا له من تهميش أو صدامات متفرقة عبر العقود.
جبل العرب (جبل الدروز) كان دائماً منطقة حساسة، لكنه لم يكن يوماً بوابة انفصال، بل ساحة توازن دقيق بين الاستقلالية الاجتماعية والاندماج السياسي.
حتى في ذروة الحرب السورية، تجنبت القيادات الدرزية – في معظمها – الانخراط في مشاريع انفصالية، وفضّلت حماية مناطقها بأقل قدر من الانجرار إلى محاور إقليمية معلنة.
ثانياً: إسرائيل والدروز… من “الحماية” إلى الاستثمار السياسي
تقدّم إسرائيل نفسها، في خطابها الإعلامي والسياسي، كـ”حامٍ للأقليات” في محيط عربي مضطرب. هذا الخطاب ليس جديداً؛ فقد استخدمته سابقاً مع أطراف لبنانية، كردية، ومسيحية في مراحل مختلفة.
في الحالة الدرزية، يتقاطع هذا الخطاب مع عدة مصالح إسرائيلية واضحة:
-
أمن الحدود الشمالية:
وجود كيان درزي أو منطقة ذات حكم ذاتي في جنوب سوريا يشكل حزاماً أمنياً عازلاً بين إسرائيل وأي قوة معادية، خصوصاً إيران أو فصائل المقاومة. -
تفكيك الدولة السورية:
تقسيم سوريا إلى كيانات طائفية أو إثنية يضعفها استراتيجياً، ويُنهي عملياً أي تهديد مستقبلي موحد لإسرائيل. -
شرعنة التدخل:
عبر بوابة “حماية الأقليات”، تخلق تل أبيب غطاءً أخلاقياً وإعلامياً لتدخلها العسكري والسياسي في العمق السوري. -
النموذج الدرزي داخل إسرائيل:
إسرائيل تستثمر دائماً في إبراز ولاء دروز فلسطين المحتلة لها، وتسعى إلى تعميم هذا النموذج إقليمياً، بما يخدم سرديتها كـ”دولة متعددة الطوائف”.
ثالثاً: من الحكم الذاتي إلى الاستقلال… قفزة محفوفة بالمخاطر
تصريحات الهجري حول الانتقال من مطلب الحكم الذاتي إلى “منطقة درزية مستقلة” تمثل تحوّلاً نوعياً وخطيراً في الخطاب السياسي الدرزي داخل سوريا.
فالاستقلال، حتى لو طُرح كمرحلة انتقالية، يفتح الباب أمام:
-
صدام مباشر مع محيط اجتماعي سوري وعربي رافض للتقسيم.
-
تحويل المناطق الدرزية إلى ساحة صراع بالوكالة.
-
ربط مصير الطائفة بقوة خارجية، بما يحمله ذلك من أثمان تاريخية باهظة.
التجارب الإقليمية تُظهر أن “الحماية الخارجية” غالباً ما تكون مؤقتة، بينما تبقى نتائجها طويلة الأمد على المجتمعات المحلية.
رابعاً: خيبة عربية… وفراغ تستثمره إسرائيل
الهجري عبّر بوضوح عن شعور بالخذلان من العالم العربي، متهماً دولاً عربية بالوقوف إلى جانب “الجلاد”.
سواء اتفقنا أو اختلفنا مع هذا التوصيف، فإن الفراغ العربي – السياسي والإعلامي والإنساني – في التعامل مع الأقليات السورية، فتح المجال واسعاً أمام إسرائيل لتقديم نفسها كبديل.
هذا الفراغ لا يُفسر فقط تصاعد الخطاب المؤيد لإسرائيل لدى بعض الشخصيات، بل يسلط الضوء على فشل عربي أوسع في صياغة موقف جامع يحمي وحدة سوريا ويصون حقوق مكوناتها دون الارتهان للخارج.
خاتمة: بين الخوف المشروع والمشروع الخطِر
لا يمكن إنكار حجم المخاوف التي تعيشها الأقليات في سوريا بعد سنوات من الحرب والانهيار، ولا التقليل من معاناة الدروز أو غيرهم.
لكن تحويل هذه المخاوف إلى بوابة لمشاريع تقسيم، أو ربط المصير بإسرائيل، يطرح أسئلة أخطر من الإجابات التي يقدمها.
ما يُعرض اليوم كـ”إنقاذ” قد يتحول غداً إلى قيد طويل الأمد، وما يُسوّق كـ”حماية” قد يكون في جوهره استثماراً استراتيجياً في تفتيت ما تبقى من الدولة السورية.
في النهاية، تبقى قضية الدروز جزءاً من المسألة السورية الكبرى: دولة منهكة، مجتمع متصدع، ومصالح إقليمية ودولية تتقاطع فوق الجغرافيا والدم، بينما يُعاد رسم الخرائط باسم الأمن، والحقوق، وحماية الأقليات.